إعلان

حكومة لبنانيّة بشروط "حزب الله"!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
السيد حسن نصرالله
السيد حسن نصرالله
A+ A-
لم يتردد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في الدعوة الى الهدوء لبنانياً، لكنه في الوقت نفسه ضغط إلى أقصى الحدود، رافعاً سقف شروطه في التشكيل الحكومي. ولا شك بأن الحزب كان يضغط من تحت الستار لإرجاء تأليف حكومة بالصورة التي يريدها الرئيس المكلف سعد الحريري، متماهياً مع رئيس الجمهورية ميشال عون إنما من حسابات أخرى داخلية وإقليمية. رفع سقف الشروط جاء من خلفية فائض القوة ليؤكد مرة أخرى من خلال تصعيده أنه الطرف المقرر في الوضع اللبناني والمهيمن على أمور كثيرة، ليس بالسلاح فحسب، بل بارتباطه بمرجعيته الإيرانية وسحب البلد أكثر إلى الصراعات الإقليمية والدولية. هو أيضاً تلاقى مع تصلّب الرئيس ميشال عون في مواجهة الحريري، بما يعني أن الحكومة لن تكون إلا بالشروط التي وضعها كحكومة سياسية أولاً وأخيراً...
 
في الأساس، ينطلق "حزب الله" في الموضوع الحكومي من حسابات إقليمية وتقديرات سياسية لا ترتبط بالوضع الداخلي وحده، بل تأخذ المعطيات الإقليمية كأساس لأي مبادرة. وانطلاقاً من ذلك، لم يطلق مبادرة داخلية للتوسط مع حليفه ميشال عون، إذ إن وجهته تتكامل مع الإطار العام الذي ينطلق منه الرئيس اللبناني، فتركيزه كان دائماً على ضرورة أن يتنازل الحريري لحكومة موسعة تحل مشكلات العدد والحقائب والتمثيل، وهو ما يعني أن حركته تأخذ من الحريري من دون أن تتعرض لحصة عون. وعلى هذا، فإن زيادة عدد الوزراء، إذا وافق الحريري عليها ستعطي أرجحية لتحالفه مع عون. وعندما جاهر نصر الله بموقفه الأخير بدا أنه تكامل مع طرح رئيس الجمهورية حكومياً، لا بل ذهب أكثر من ذلك، في أن حكومة الاختصاصيين قد تسقط في الشارع ما لم يكن هناك قوى سياسية وطائفية تحميها.
 
في ملف تشكيل الحكومة، يبدو أن ميشال عون لا يزال على شروطه. يستند في ذلك الى موقف "حزب الله" الذي يصر على تسمية وزرائه في الحكومة، إذ لا يمكن للحريري أن يكون لديه هامش في اختيار الوزراء الشيعة، في الوقت الذي يصر ميشال عون على تسمية الوزراء المسيحيين. هذا في حكومة تكنوسياسية. لكن نصر الله رفع عالياً موقفه برسائله لتشكيل حكومة سياسية تتمثل فيها كل القوى الطائفية، ما يذكّر بالكلام عن حكومة مختلفة عن طموح الحريري، ظهرت ملامحه في ما أعلنه قبل نحو شهر رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي كان قد زاد على شروط استعصاء ميشال عون، مسألة كيفية اختيار الوزراء من الطوائف، ما دامت المناصفة محسومة. هكذا رُفعت في وجه الحريري شروط إضافية، إلى حملة تحمّله المسؤولية عن الانهيار بهروبه نحو الخارج كرئيس مُكلّف وأنه يسعى إلى فرض وصايات خارجية على الحكومة يستقوي بها ضد الداخل.
 
وأياً تكن توجهات نصر الله اليوم، فإن ما يطرحه من حكومة سياسية هي للمواجهة والتغطية على مشاريع وسياسات لا ترتبط بالمصلحة اللبنانية، فأي حكومة قادرة على نقل البلد إلى وضع مختلف لن تكون حكومة تتمثل بها القوى السياسية والطائفية بالمحاصصة، فمهمة الحكومة التي ستتشكل يجب أن تكون للإنقاذ قبل البحث في التأسيس الجديد للنظام الذي سيكون أسوأ من الراهن في ظل موازين القوى الحالية. هنا يظهر الاستعصاء العوني والهيمنة التي يضيفها "حزب الله" وشروطه كسراً لكل تقاليد الصيغة اللبنانية، وهو قد ينسحب على كل الاستحقاقات الدستورية في المرحلة المقبلة، من انتخابات رئاسة الجمهورية وغيرها.
 
أعاد "حزب الله" بشروط نصر الله اللعبة السياسية اللبنانية إلى ما قبل انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وكأن شيئاً لم يكن، والهجوم مرة أخرى للتحكم بالقرار في البلد، انطلاقاً من حكومة سياسية. فحكومة الاختصاصيين بصوت نصر الله ستسقط خلال شهرين ولا تستطيع أن تحمي الحريري، ما يعني أن الذي يحميه هو "حزب الله" من كرة النار التي تلقفها. ولم يقتصر الأمر على هذه الناحية، فإذا لم يسر الحريري بحكومة سياسية بالشروط المتماهية بين الحزب وعون، يجري العمل على تفعيل حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة حسان دياب، وهي حكومة اللون الواحد بوصاية سياسية من الممانعة، وكذلك بالعمل على آليات لتفسير الدستور اللبناني وتعديله إذا اقتضى الأمر لتشكيل الحكومة وتحديد مدة التكليف.
 
تحت الشروط التي وضعها عون و"حزب الله"، لن تبصر الحكومة النور بالسهولة التي يحكى عنها، ولن تخرج تسوية جديدة إلى العلن. يريدان حكومة سياسية تتمثل فيها كل الأطراف الطائفية وفق مواقعها بالمحاصصة، يسمي فيها عون الوزراء المسيحيين و"حزب الله" الوزراء الشيعة، تحدد هويتها وتركيبها ومشروعها وبيانها الوزاري بما يتناسب مع فائض القوة. أي تشكيلة حكومية يقدمها الحريري لن يوقع عليها عون إلا إذا كانت كاملة، وبالسقف الذي وضعه، وهذا ما أبلغه عون للحريري في لقائهما الأخير.
 
كان نصر الله واضحاً في كلامه المستند إلى القوة والهيمنة: "إذا استمر التأزيم في تشكيل الحكومة، فهناك خياران: العودة إلى تفعيل الحكومة المستقيلة... أو نجد حلاً دستورياً قانونياً يحفظ التوازنات الطائفية". وإذ أكد أن "حزب الله" ليس في وارد اللجوء إلى السلاح من أجل تأليف الحكومة أو إصلاح وضع اقتصادي أو مالي، لكنه حضّ على وضع سقف يجب الالتزام به ويتمثل في عدم الذهاب إلى حرب أهلية واقتتال داخلي. لكن من يستطيع أن يفجّر حرباً أهلية في البلد أمام فائض القوة؟ ويبقى السؤال: هل يسير الحريري بالشروط أم يضع نفسه في مواجهة مع أطراف أعلنت سلفاً أن لديها خيارات أخرى للسيطرة على البلد؟
 
Twitter: @ihaidar62
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم