إعلان

خطوات لإلغاء أكراد تركيا سياسياً

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
من تحركات حزب الشعوب الديموقراطي
من تحركات حزب الشعوب الديموقراطي
A+ A-
اتخذ الائتلاف السياسي الحاكم في تركيا الخطوة التي كان يُهدد بها منذ شهور، إذ قدم المُدعي العام التركي طلباً قضائياً لحظر "حزب الشعوب الديمقراطي" HDP المؤيد لحقوق الأكراد في تركيا. وهي الخطوة العملية التي ستؤدي "بشكل حتمي" إلى حظر نشاطات الحزب، لأن القضاء التركي، خصوصاً في القضايا السياسية، تحول ذراعاً لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى جانب شريكه حزب "الحركة القومية" المُتطرفة بقيادة دولت بهجلي.
 
الخطوة القضائية التركية جاءت بعد سلسلة من الإجراءات وأشكال التضييق السياسي والمالي والتنظيمي والإعلامي الذي كان الحزب الكردي تعرض له طوال السنوات الماضية، رغم كونه ثالث الأحزاب في البرلمان التركي من حيث التمثيل، والحزب السياسي والممثل الرئيسي لقرابة عشر محافظات تركية جنوب شرقي تركيا، حيث الغالبية الكردية. 
 
القرار الاتهامي الذي وجهه المُدعي العام التركي إلى الحزب، استند إلى اعتقاد الهيئة المُدعية بأن "حزب الشعوب الديموقراطي" أنما "يتصرف كامتداد" للتنظيمات الإرهابية التي تُهدد وحدة الأراضي التركية، والمقصود هو "حزب العُمال الكُردستاني" PKK الذي يقود كفاحاً قومياً كردياً مُسلحاً ضد السلطة التركية مُنذ قُرابة نصف قرن.
 
في تفاصيل ورقة طلب الادعاء التي حصلت "النهار العربي" على نسخة منها، أضاف المُدعي أن مُجمل التصريحات الإعلامية والسلوكيات السياسية لأعضاء الحزب المذكور أنما تتقصد الفصم بين الدولة التركية والأمة التركية. 
 
بحسب مقتضيات الأجهزة القضائية التركية، من المُفترض أن تُحدد جلسات محاكمة الحزب خلال الأسابيع القادمة، وأن يُقدم الحزب دفوعه الرادة لتفاصيل الورقة الاتهامية الموجهة له، وأن يحكم القضاء في المُحصلة على نتيجة المرافعات المتبادلة.
 
الإعلامي والباحث الكُردي التركي المقيم في مدينة إسطنبول كمال سنكاري  أكد لـ "النهار العربي" أن كل هذه الخطوات هي مُجرد "وظائف قضائية شكلية" بحسب تعبيره، وقال: "الكل يعرف، بما في ذلك المُدعي العام التركي، أن المسألة ليس لها أي أبعاد قانونية أو قضائية، وأن القرار السياسي الذي اتخذه الائتلاف الحاكم منذ قرابة ثلاثة أشهر، حينما هدد وطالب زعيم "الحركة القومية" التركية دولت بهجلي بإغلاق "حزب الشعوب الديمقراطي" هو الأساس، وأن الحسابات السياسية للائتلاف الحاكم، للبقاء في السُلطة أطول فترة مُمكنة هي وحدها ما تدفع لاتخاذ هذه الأفعال". 
 
لو قرر القضاء التركي في المُحصلة أغلاق "حزب الشعوب الديمقراطي"، فأنها ستكون "ضربة" استثنائية للحركة السياسية الكُردية والديموقراطية في البلاد. لأن مطالبات الادعاء العام تذهب الى مطالبة القضاء بالاستيلاء على كل مقار الحزب ومؤسساته، بما في ذلك مؤسساته المدنية، وتجميد كامل أرصدته البنكية وسحبها، إلى جانب حظر العمل السياسي والحكومة على أكثر من 600 قيادي من الدرجة الأولى في الحزب، الأمر الذي يعني تحطيم ما راكمته الحركة السياسية الكردية طوال أكثر من عشر سنوات من العمل السياسي في ظروف بالغة الصعوبة، وتالياً الحاجة إلى سنوات كثيرة لإعادة الترميم والوصول إلى هذا المُستوى المُتحقق، كثالث أكبر وأنشط حزب في البلاد. 
 
"حزب الشعوب الديمقراطي" وصف الخطوات المُتخذة ضده بأنها "إنقلاب سياسي"، وطالب بيان رسمي أصدره الرئيسان المُشتركان للحزب بروين بولدان ومدحت سنجار ما سمّياه كُل القوى الديموقراطية والمعارضة والمؤسسات المدنية والسياسية والاجتماعية في البلاد، بما في ذلك القواعد الاجتماعية للحزب، بالنضال المُشترك ضد هذه الخطوات الانقلابية. فالقرار الأخير، بحسب بيان الحزب أنما هو تتويج لسياسيات لم تتوقف منذ سنوات، منها اعتقال الزعيم الأسبق للحزب صلاح الدين دميرتاش منذ العام 2016 من دون أي محاكمة، وحرمان أكثر من ستة عشر برلمانياً من الحزب من ممارسة عضوية البرلمان، بما في ذلك النائب البارز عُمر فاروق غرغرلي أوغلو، الناشط الحقوقي والمطالب بمنح أكراد تركيا حقوقا سياسية، الذي صدر قرار تجريده من العمل البرلماني في  يوم رفع الادعاء العام التركي القرار الاتهامي على "حزب الشعوب الديمقراطي" نفسه. هذا إلى جانب إبعاد مُعظم رؤساء البلدات التي فاز فيها الحزب في المناطق ذات الأغلبية الكُردية، مثل مدن دياربكر ووآن وماردين.
 
مُديرة منظمة "هيومان رايتس ووتش" في تُركيا نددت بالخطوة التي اتخذتها تركيا، مُعتبرة أنها "هجوم مروع على القواعد الديموقراطية وسيادة القانون وانتهاك للدستور التركي والالتزام بالقانون الدولي". ومن المتوقع أن تُحدث الخطوة التركية ردود فعل سياسية دولية، خصوصاً من جانب دول ومؤسسات الاتحاد الأوربي، بالذات من طرف المحكمة العُليا الأوروبية، التي تملك سلطة على المحاكم التركية، بحسب اتفاق بين الطرفين. إلى جانب ما يُمكن أن تتخذه الإدارة الأميركية من قرارات، التي تُعبر كل فترة عن نبذها لسلوكيات السلطات التركية في الداخل التركي. 
 
الناشط المدني الكردي المُقيم في مدينة دياربكر سردار إمامجاه شرح لـ"النهار العربي" أبعاد التوجه السياسي/القضائي التركي الأخير، مُعللاً إياه بثلاثة أسباب: "لقد فشلت الحملات السياسية الفردية السابقة التي قادتها السُلطة ضد النُخب السياسية الكُردية في البلاد، بما في ذلك البرلمانيون ورؤساء البلديات، فتوجهت السُلطة لإغلاق منبع هذه النُخب. كذلك لم تُثمر الحملات العسكرية التركية ضد المقاتلين الأكراد عن أي مردود في رصيدها الشعبي، فرغبت برفع مستويات العصبية القومية التركية على حِساب الحزب الكردي. فوق الأمرين، فإن السلطة تعتقد أن إبعاد الحزب الكردي من الحياة السياسية سيؤمن لها رصيداً انتخابياً يفوق ما لباقي قوى المعارضة". 
      
.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم