إعلان

الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بوتين غاضبان جداً وخائفان قليلاً

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
الرئيسان بوتين وبايدن. (أ ف ب)
الرئيسان بوتين وبايدن. (أ ف ب)
A+ A-
ليس مهمّاً فوز أيٍّ من الرئيسين الأميركي جو بايدن أو الروسي فلاديمير بوتين بالمبارزة، فكلاهما يدرك أن الآخر يعرف نقاط ضعفه، وأن أياديه مُكبّلة في مكانٍ ما. هذه الجولة من المبارزة أبرزت السيّد بايدن رئيساً حازماً رفض إملاءات الرئيس الروسي على ملف شمال الأطلسي (الناتو) ومزّق ورقة الضمانات الأمنية المستحيلة التي أرفقها بوتين بالتهديد بإجراءات عسكرية إذا رفض الغرب تلبيتها. وهكذا ارتفعت أسهم بايدن كقائد للغرب تحدّى الاستفزازات الروسية، ووحّد مواقف الدول الأوروبية نحو الكرملين، وحشد سلاح العقوبات المدمِّرة لروسيا إذا قامت بغزو أوكرانيا. السيّد بوتين ظهر أمام العالم في هذه الجولة من المبارزة رجلاً فولاذيّاً عندما أبلغ قيادات دول حلف شمال الأطلسي، وبالذات الولايات المتحدة، أن ضم الدول المجاورة لروسيا الى حلف الناتو يهدّد الأمن الروسي لدرجة يستحيل الانحناء أمامها لأنها مسألة وجوديّة لروسيا ولبوتين - وهما في رأيه وجهان لعملة واحدة.
 
ما يراهن عليه بوتين هو أن بايدن وقيادات الدول الأخرى في "الناتو" لن تتدخّل عسكريّاً في حربٍ مباشرة مع روسيا لإنقاذ دونباس من الانفصال القسري عن أوكرانيا بموجب الاستراتيجية العسكرية الروسية - وهو على حق في رهانه. ذلك أن الرئيس الأميركي لن يحارب برجاله من أجل أوكرانيا ووحدة أراضيها، ولا الدول الأوروبية ستتدخل عسكرياً لتحرير دونباس من روسيا. فلقد سبق وضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، ولا تزال هناك، وإذا ضمّت موسكو منطقة دونباس بأهلها ذات الجذور الروسية، كما طالب الدوما الروسي الرئيس بوتين، ستكون النتيجة انتصاراً لمنطق العسكرة لحل الاختلافات بين روسيا والغرب.
 
إنما ماذا ستكون تكلفة ذلك النصر العسكري وهل هي ما يريده الشعب الروسي؟ هنا يتحوّل رهان بوتين الى مغامرة خطيرة لأن العقوبات التي تتربّص به وبروسيا قد تكون قاضية، بل الأرجح أن تكرسح روسيا. فمن ورّط مَن، ومَن ورّط نفسه؟ وماذا سيكون عليه اصطفاف دول العالم في حرب باردة اليوم بين روسيا والغرب في زمنٍ يختلف جداً عن اصطفافات الحرب الباردة عندما انقسم العالم بين المعسكرين الأميركي والسوفياتي واحتدّ سباق التسلّح وكذلك الحروب بالنيابة؟ أين ستقف الدول العربية في هذه الاصطفافات؟ وهل هناك من وسيلة للعودة عن حافة الهاوية لإتاحة الفرصة للدبلوماسية والتفاوض بدلاً من الانطلاق الى المواجهة؟
 
لا يبدو التوتّر القائم في طريقه الى الزوال بل إن المؤشرات تفيد بازدياد الضغوط وازدياد الغضب وما يترتّب عليه من اجراءات غير هادئة. موسكو مستاءة جداً من استهتار قيادات حلف "الناتو" بما وضعه بوتين على الطاولة عندما تقدّم بطلب الضمانات الأمنية أثناء ذلك الخطاب التصعيدي الشهير أمام وزارة الدفاع وكوادر كبار العسكريين في 21 كانون الأول (ديسمبر) الماضي. كتبتُ حينذاك بتاريخ 26 كانون الأول (ديسمبر) مقالاً تحت عنوان "فلاديمير بوتين لا يتقِن التراجع ولا يرغب به- وهنا المشكلة"، وقد يكون مفيداً إعادة قراءة ذلك المقال لقراءة المشهد الحالي. فقد كان ذلك الإنذار الأخير Ultimatum المرفق بالتوعّد "عسكرياً تقنياً" بمثابة زج بوتين لنفسه في الزاوية واعتلائه في قفص على سلّمٍ عالٍ يصعب جداً النزول عنه. وهو بنفسه قال حينذاك إن على الولايات المتحدة أن "تفهم أنه ليس أمامنا من مكان نتراجع اليه". منذ ذلك الخطاب وإلى الآن، يحبس سيد الكرملين أنفاس العالم، وأنفاسه، وقد وقع شهر شباط (فبراير) الجاري بين الدبلوماسية وأعاصير المواجهة. (راجع مقالات راغدة درغام).
 
حاول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الانخراط دبلوماسياً مع قادة حلف "الناتو" ومع الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي للاستفهام عن المبادئ الأمنية في أوروبا التي أراد الغرب التحدّث عنها عندما ردَّ على إملاءات بوتين المستحيلة برفضٍ مهذّبٍ لها. إلاّ أن الغرب كان قد عَبَر تلك المحطّة بعدما استنتج أن روسيا تُفبرك الذرائع لتبرير غزوها أوكرانيا، فتجاهل طلب لافروف الذي كان ظنّ أن بوسعه اللعب مع الغرب لعبته الدبلوماسية. ولعلّ تلك كانت المرة الأولى التي يتلقى فيها الوزير المخضرم تجاهل زملائه، فكانت تلك رسالة قاسية.
 
فحوى رسالة التجاهل هو أن الدول الأعضاء في حلف "الناتو" تقف في صفٍّ واحد إزاء التصعيد الروسي في مسألة أوكرانيا ونحو "الناتو" وصلاحياته واستقلالية قراراته بما في ذلك قرار إدخال دولٍ كعضوٍ في الحلف أو نشر سلاحه في دول حلف شمال الأطلسي. فحوى رسالة التجاهل هو أن المساومات الروسية ليس مرحّباً بها في إطار إملاءات بوتين. فحواها أن الرد المتفق عليه كسياسة حازمة وحاسمة نحو روسيا فلاديمير بوتين هو العقوبات التي قد تثير الشعب الروسي ضد قيادته والتي قد تحوّل روسيا الى إيران، إذا ثابر الرئيس الروسي في مساره.
 
فالرئيس الروسي حشر نفسه في زاوية عسكرة الدبلوماسية، ولم يعد قادراً على اتخاذ خطوة الى الوراء. يعرف أن هناك داخل روسيا من يقف معه في وجه الغرب لأسبابٍ استراتيجية لأن الخضوع أمام إدخال أوكرانيا عضواً في حلف "الناتو" يفتح الباب لتوسيع عضوية الحلف وإدماج آخرين فيه- وهذا يطوّق روسيا ويهدّد وجودها.
 
لكن الرئيس بوتين يعرف تماماً أيضاً أن هناك داخل روسيا من لا يرى مبرِّراً لإعادة روسيا اقتصادياً الى الوراء ووضعها مجدّداً وراء الستار الحديدي ودفعها الى حرب باردة مُكلِفة بذريعة خطر انتماء أوكرانيا الى حلف شمال الأطلسي. هؤلاء يشيرون الى أن ليتوانيا ولاتفيا وأستونيا دخلت الى حلف "الناتو" ولم يحدث شيء لروسيا وأمنها بالرغم من أن سان بطرسبورغ على بُعد مجرد كيلومترات عن ليتوانيا.
 
فلاديمير بوتين وضع نفسه في موقف دفاعي defensive فسقط في الفخ الذي نصبه له جو بايدن عندما تعمَّد أن يضع روسيا ورئيسها في موقفٍ دفاعي. في الوقت ذاته، يدعو الرئيس الأميركي نظيره الروسي الى تناسي شروطه التعجيزية والجلوس الى طاولة المفاوضات الأمنية، وهو يتصرّف بثقة من نفسه ومن قيادته لحلف "الناتو" وإحياء تعاضد صفوفه بالذات في حشد برنامج عقوبات تكرسح روسيا وبوتين معها.
 
ما يستفيد منه الرئيس الأميركي هو ظهور الرئيس الروسي في حال التردد بالرغم من شد عضلاته بحشوده العسكرية الضخمة على الحدود مع أوكرانيا ومناوراته العسكرية مع بيلاروسيا. حشود عسكرية يرافقها الإعلان السياسي أن روسيا لا تعتزم الغزو وأن الكلام عن الغزو ليس سوى هستيريا أميركية وغربية.
 
هكذا بدا فلاديمير بوتين خائفاً من الحرب إنما من دون أن يتمكّن من اتخاذ خطوات التراجع عن الحرب. وجد نفسه أمام اندفاع "الناتو" لتمكين أوكرانيا بتسليحها كما لم يسبق. وجد أن دول حلف شمال الأطلسي- بما فيها ألمانيا وفرنسا وهما طرفان في رباعية النورماندي مع روسيا وأوكرانيا لرعاية عملية مينسك- غير مستعدّة للضغط على كييف لتقبل بتغيير دستورها لتكون دولة فيدرالية أو لتقبل بتنفيذ اتفاقية مينسك التي تتمسك بها روسيا. فالغرب وأوكرانيا يدعمان استمرار "عملية" Process مينسك، لكن موسكو لا تريد مجرد "العملية". وهكذا إن الباب الدبلوماسي عبر مينسك بات مسدوداً.
 
فقط الولايات المتحدة وحدها قادرة على مبادرة جديدة تحلّ مكان عملية مينسك إن كان في سياق حل مشكلة دونباس، أو في سباق ترميم العلاقة بين روسيا ودول حلف "الناتو" أو في إطار الحديث الجدّي عن الأمن الأوروبي ووسائل تجنّب المواجهة والعد العكسي الى الحرب الباردة.
 
المشكلة أن الرئيس بايدن غاضب وغاضب جداً من نظيره الروسي، وتصعيده، بما في ذلك توقيت طرد نائب السفير الأميركي لدى موسكو. المشكلة أنه من الصعب على جو بايدن ألاّ يستغلّ الفرصة - الهديّة التي قدّمها اليه فلاديمير بوتين ليبدو ويتصرّف كزعيمٍ للعالم الحر الذي رفض أن ينصاع الرئيس الأميركي ويرضخ لتنمّر الرئيس الروسي.
 
فهذه مادة دسمة ومهمّة لبايدن لا سيّما أنه يستعد للتوقيع على الصفقة النووية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الأيام المقبلة. هكذا تكون مواقفه الصارمة مع فلاديمير بوتين في شأن أوكرانيا موضع احتفاء الغرب به وبقيمه ودرعاً يحميه من الانتقادات الداخلية والعالمية لتوقيعه على اتفاقية تعطي إيران- وأدواتها الإقليمية من الميليشيات- القدرة على تهديد مصالح وأمن شركاء أميركا في المنطقة.
 
جو بايدن لا يبالي إن كانت الصفقة مع حكّام طهران موضع رضا أو موضع استياء الدول الخليجية العربية، فهو يريد إتمام الصفقة كيفما كان وبأي تكلفة كانت، ولا يبالي. جو بايدن لا يهمّه إن دعمت الدول العربية - بالذات الخليجية - المواقف الأميركية في الأزمة مع روسيا أو تبنّت الحياد غير المسبوق ما يشكّل قفزة غير اعتيادية في العلاقات بين حليفين تقليديّين وسط أجواء الحرب الباردة. فهو لا يبالي.
 
فما أبلغته الدول الخليجية الى الولايات المتحدة منذ زمن هو أنها لن تكون حجراً في لعبة شطرنج حرب باردة لا بين الولايات المتحدة والصين ولا بين روسيا والولايات المتحدة. وهذا من نتائج الانصراف الأميركي عن العلاقات التقليدية التحالفية مع الدول الخليجية في أكثر من مجال. إنه نتيجة انحسار الاستثمار الأميركي في دول المنطقة العربية واختيار إدارة بايدن وقبلها إدارة باراك أوباما، الجمهورية الإسلامية الإيرانية شريكاً مفضّلاً بالرغم من انها حليف استراتيجي لروسيا والصين.
 
ما يهمّ الرئيس جو بايدن اليوم هو كيفية تعاطيه مع ما يعتبره استفزاز الرئيس فلاديمير بوتين له. كلاهما غاضب وغاضب جداً. كلاهما في هشاشة ما، في مكانٍ ما، من نوعٍ ما. في استطاعة بوتين أن يستمر في رهانه على بدء التشقّق في صفوف دول "الناتو" لأن العقوبات التي ستفرضها على روسيا سترتد على اقتصاد هذه الدول. في إمكانه المضي في الاعتقاد بأن دول الغرب خائفة من الأزمة العسكرية المنطلقة من أوكرانيا، وبالتالي ستعيد النظر وتلبّي مطالبه.
 
صحيح أن الحرب الباردة ستكون مُكلِفة لأطرافها جميعاً، لكن الحرب الساخنة قد تفيد شركات تصنيع الأسلحة الكبرى ومشاريعها الآنية والبعيدة المدى في زمن الحروب بالنيابة. فسباق التسلّح أساسي في معادلة الدبلوماسية المعسكرة بهدف استنفار المواجهة. وهذا ما يقلق العالم الذي يقف على قراءة ماذا في ذهن الرئاستين الروسية والأميركية.
 
الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بوتين غاضبان جداً وخائفان قليلاً، وهذا ما يضع العالم أجمع معهما على حافة الهاوية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم