إعلان

طبول الحرب تُقرع: روسيا تستأنف قضم أوكرانيا وصحوة غربيّة إزاء خطر صعود قوى الشّرق

المصدر: النهار العربي
رياض قهوجي  
رياض قهوجي  
الجيش الاوكراني في حال استنفار
الجيش الاوكراني في حال استنفار
A+ A-
تستمر روسيا في حشد قواتها على الحدود مع أوكرانيا، في وقت تستمر فيه الاتصالات والمفاوضات لحل النزاع بين الدولتين الذي يتداخل مع نزاع آخر حول مناطق النفوذ بين روسيا والمعسكر الغربي بقيادة أميركا. وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصادي في روسيا وتداعيات الأزمة الأوكرانية غير المباشرة على موضوع أزمة تايوان والصين، فإن تداعيات أي عملية عسكرية روسية سيصل صداها الى أبعد من القارة الأوروبية، وتحديداً الى معظم القارة الآسيوية، وخصوصاً في جزئها الجنوبي - الشرقي. فالخلاف لن يبقى محدوداً في نزاع حدودي، بل سيتطور الى صراع بين من يحمي مكتسبات الغرب ومن يريد إنهاء حقبة هيمنة أميركا وحلفائها من الأنظمة الليبرالية - الرأسمالية التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة مع المعسكر الشرقي. 
 
لقد حشدت روسيا ما لا يقل عن مئة ألف جندي على حدود أوكرانيا الشرقية، مدججة بأحدث ما تملكه من دبابات وصواريخ مدعومة بطائرات هجومية طراز سوخوي-34، وهي أفضل ما في سلاح الجو الروسي. وبدأت روسيا إرسال بضعة آلاف من جنودها الى بيلاروسيا بحجة التحضير لمناورات مشتركة هناك خلال شهر شباط (فبراير) المقبل. هذا سيوفر لروسيا إمكان فتح جبهة من شمال أوكرانيا، إما على طول الضفة الشرقية لنهر دنيبر (الممتد من أقصى شمال أوكرانيا حتى البحر الأسود جنوباً)، أو تتجه الى وسط أوكرانيا وغربها لقطع خطوط المواصلات. إلا أن الخيار الأول يبقى الأكثر ترجيحاً، بخاصة مع ورود أنباء عن حشد عسكري روسي في جزيرة القرم جنوباً والمقابلة للجزء الشرقي من أوكرانيا.
 
وبحسب توزيع القوات الروسية الحالية، فهي قد تبادر للهجوم من الشمال والشرق والجنوب، بشكل حرب خاطفة وسلسلة عمليات التفاف واقتحام تسعى لإنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، للتخفيف من الضغوط الدولية وللحد من الخسائر قدر الإمكان. 
ولقد اتّبعت روسيا حتى اليوم استراتيجية تُعرف باسم "تكتيك تقطيع السلامي" في تعاطيها في أوكرانيا. وهذه الاستراتيجية تقوم على احتلال أجزاء صغيرة من الدولة المستهدفة بما لا تستفز كثيراً المجتمع الدولي الذي لا يجد جدوى من تصعيد الموقف مع الدولة المعتدية إذا ما توقفت عن احتلال المزيد من الأراضي. فلا أحد يريد أن يدخل في حرب مع دولة نووية مثل روسيا بسبب أجزاء صغيرة من دولة كبيرة مثل أوكرانيا. ولجأت روسيا الى استراتيجية الحرب الهجينة لتقلل كلفة عملياتها، حيث قامت بتسليح ميليشيات من الأقلية الإثنية الروسية شرق أوكرانيا، وتطعيمها بعناصر من قوات النخبة الروسية شنّت هجمات مباغتة على القوات الأوكرانية، وسيطرت على مدن وبلدات عدة على طول الحدود الشرقية، ومن ثم احتلت جزيرة القرم من دون أي مقاومة تذكر من أوكرانيا. وكشفت الاستخبارات الأميركية أخيراً أن روسيا بدأت بنشر عناصر من قواتها الخاصة في صفوف الميليشيات الروسية في شرق أوكرانيا تحضيراً لعمل عسكري. كما بدأت روسيا شن هجمات سيبرانية على أوكرانيا، وهو تكتيك استخدمته روسيا في اجتياحها جورجيا من أجل شل حركة الاتصالات والمواصلات وتشتيت خصومها. 
 
حتى الآن لا يبدو أن المفاوضات لحل النزاع ستؤدي لتفادي اجتياح روسي جديد قد يكون لكامل الضفة الشرقية لنهر دنيبر، على أقل تقدير. فروسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين تسعى جاهدة لإعادة السيطرة على ما كان ضمن الاتحاد السوفياتي الذي انهار وتفتت عام 1989. وفيما انضمت معظم دول الاتحاد السوفياتي السابق الى تحالفات سياسية وعسكرية بقيادة موسكو – مثل اتحاد (كومنولث) الدول المستقلة، أو منظمة معاهدة الأمن الجماعي – آثرت دول أخرى مثل جورجيا وأوكرانيا البقاء خارجها والتقرب من الغرب والأنظمة الليبرالية. وبعد سقوط الحكومة المؤيدة لموسكو وسيطرة الأحزاب المعادية لروسيا على الحكم في أوكرانيا مطلع القرن الحالي، بدأت موسكو اتّباع سياسة أكثر تشدداً وعدائية نحوها. ومع انضمام معظم دول أوروبا الشرقية التي كانت سابقاً ضمن حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي، الى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ارتفع مستوى الشعور بالتهديد في روسيا التي رسمت خطاً أحمر في ما يخص إمكان دخول أوكرانيا وجورجيا هذا الحلف. ومن أجل أن يعطي بعداً قومياً يبرر عمليات القضم الممنهجة لأراضي أوكرانيا ويحصل على دعم الرأي العام الداخلي، لجأ بوتين لموضوع حماية حقوق المجموعات الإثنية الروسية وأمنها في أوكرانيا. ولاحقاً بدأ الحديث عن الروابط التاريخية بين ثقافتي روسيا وأوكرانيا على أنهما بلد واحد. 
 
ليس هناك حتى هذه اللحظة أي جهة محايدة تسعى الى الوساطة بين أطراف النزاع للتوصل الى حل سلمي يرضي جميع الأطراف. فلا يمكن اعتبار دبلوماسيين أوروبيين وأميركيين وسطاء، إذ إن دولهم أعضاء في حلف الناتو، أي الجهة المعنية مباشرة بالنزاع الحالي. وعليه، يجب أن تبادر جهات مستقلة مثل سويسرا أو الأمين العام للأمم المتحدة أو قوى آسيوية لإجراء اتصالات دبلوماسية مع الجهات المعنية، في محاولة جادة لحل النزاع المتفاقم. ويبدو أن واشنطن والناتو يستخدمان لغة تصعيدية في التعامل مع موسكو التي أبلغتهما في اللقاءات الأخيرة شروطها لتجنب الحرب، وأهمها التعهد بعدم قبول طلب عضوية أوكرانيا في حلف الناتو وعدم تزويدها بأي أسلحة حديثة. ولم يكن مستغرباً رفض أميركا والناتو هذه الشروط التي تتعارض مع مبادئ وثقافة الأنظمة الليبرالية الديموقراطية التي تعتبر أنه يجب أن يكون للدول الحق بدخول أي تحالفات دولية والتسلح لحماية نفسها.
 
كما أن إدارة بايدن الديموقراطية تجد نفسها متهمة بالمسؤولية عن زيادة الأطماع الروسية، نتيجة عدم أخذ موقف حازم عندما اجتاحت روسيا القرم في وقت إدارة باراك أوباما عام 2014. ولذلك، فهي تهدد روسيا اليوم بعقوبات اقتصادية غير مسبوقة، وبدعم وتسليح مجموعات للمقاومة الأوكرانية لشن حرب استنزاف تنهك قوات الاحتلال الروسية، وبحشد قوات عسكرية كبيرة مع أسلحة نوعية في دول الناتو المحاذية لروسيا. إذاً، التصعيد سيد الموقف والخيار العسكري أكثر ترجيحاً اليوم.
 
يعتقد العديد من المراقبين أن الوضع الاقتصادي في روسيا هش جداً، وقد لا يحتمل حرباً مكلفة في أوكرانيا وعقوبات غربية قاسية. وبالتالي فإن على موسكو أن تجري حسابات دقيقة جداً لأي مغامرة عسكرية قد تكون نتيجتها انهياراً اقتصادياً شاملاً وسقوط النظام في موسكو. فعلى عكس الصين التي تملك قدرات مالية واقتصادية هائلة تمكّنها من مشاكسة أميركا والغرب من دون الخشية كثيراً من العقوبات الاقتصادية، فإن قدرات روسيا المالية محدودة جداً وأي عقوبات غربية قاسية ستؤذيها كثيراً. كما أن القدرات العسكرية الأوكرانية قد ازدادت زيادةً ملحوظة خلال السنوات الست الماضية. لذلك، فإن أي هجوم روسي على أوكرانيا سيخلّف هذه المرة خسائر كبيرة في صفوف المهاجمين على عكس المرات السابقة. إلا أن التفوق العسكري الروسي سيجعل النتيجة لمصلحة موسكو. لكن واشنطن لا تستطيع أن تمتنع عن أخذ إجراءات قاسية بحق روسيا، لأنها تدرك أن الصين ستراقب رد فعلها التي قد تبني بكين عليها حساباتها المستقبلية نحو تايوان. فأي تراخ أميركي نحو موسكو قد تجد فيه الصين مؤشراً الى كيف ستتصرف واشنطن إذا غزت تايوان وضمّتها. فالقوى الغربية الليبرالية تجد نفسها أمام صراع للحفاظ على النظام العالمي الحالي حيث تطغى ثقافتها، وبالتالي ستستخدم قواها كاملة للحفاظ على مكتسباتها أمام صعود قوى الشرق. وعليه، ساحة الصراع ستكون في آسيا، وشكله سيكون اقتصادياً، سياسياً، وثقافياً، وعلى الأرجح عسكرياً في آخر المطاف.    
   
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم