إعلان

صواريخ "المقاومة" رسائل إيرانية إلى الولايات المتحدة

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
الدمار في الفلوجة
الدمار في الفلوجة
A+ A-
يوم كانت القوات الأميركية تصول وتجول في شوارع المدن العراقية وترتكب أبشع المجازر في حق العراقيين العزل تواطأت أحزاب الشيعيّة السياسية معها من طريق الصمت، كما لو أن الطرفين يعملان مشتركين على إعداد خرائط المستقبل السياسي لعراق يخلو من المعارضين.
 
ولم تُظهر المؤسسة الدينية الشيعية رغبة في حث العراقيين على مقاومة الاحتلال، بل أنها فرضت على نفسها الصمت موقفاً من المآسي التي تعرضت لها المدن العراقية ذات الأغلبية السنيّة، وهنا تبرز مدينة الفلوجة التي شنت عليها القوات الأميركية حربين مدمرتين عام 2004. شذت عن ذلك الموقف يومها، الميليشيا التي يتزعمها مقتدى الصدر "جيش المهدي"، غير أن تلك الميليشيا قادت بعد سنتين حرباً طائفية كانت فيها مسؤولة بشكل مباشر عن مجازر ارتكبت في حق المدنيين في إطار حرب أهلية لُفقت أسبابها ورعتها مرجعية النجف كان الهدف منها القضاء على المقاومة بعدما عجزت القوات الأميركية عن القيام بذلك. وهو الهدف الذي تم تحقيقه بعد نشر فرق الموت التي هي عبارة عن مجموعات من المرتزقة لم يتأكد بعد الى أي جهة تعود غير أنها يمكن أن تكون ثمرة للتعاون غير المباشر بين القوات الأميركية والميليشيات ذات الغطاء الشيعي. 
 
أما حين انسحبت القوات الأميركية عام 2011، فإن نوري المالكي الذي كان يتزعم الشيعيّة السياسية باعتباره رئيساً للحكومة لولايتين قد أرسى سياسة العزل والإقصاء والنبذ في حق شريحة مهمة من شرائح الشعب العراقي، وكان الرجل طائفياً إلى درجة لم يصل إليها أحد من قبله بحيث صار عراقيون وطنيون يفضلون لو أن العراق تفكك إلى دويلات من أجل أن لا يكون الإذلال ثمناً لعراقيتهم.
 
في سياق ذلك الطرح المرتبك شعر الكثيرون بأن فكرة الفيدرالية التي ينص عليها الدستور صارت بمثابة الحل المثالي الذي يمكن من خلاله تنظيم علاقة الدولة بالطوائف. غير أن أجواء الشيعيّة السياسية المشحونة طائفياً لم ترَ في ذلك الحل خياراً مثالياً يناسب هيمنتها على السلطة ومن خلالها على الدولة. لذلك تم القضاء على أي فرصة للحوار الوطني قبل أن يبدأ بذريعة إعاقة محاولات تقسيم العراق من جهة ومن أخرى التصدي للإرهاب الذي صار يُنسب إلى طائفة بعينها، وقد سُنت من أجله قوانين بمقاييس طائفية لم يتعب المشرع نفسه من أجل اخفائها.   
 
المفارقة تكمن في أن القوات الأميركية التي أرهقتها مقاومة المناطق ذات الأغلبية السنيّة وكبدتها آلاف القتلى والجرحى والمعوقين، وهي في دورها قد ناصبت سكان تلك المناطق العداء وشنت عليهم حرباً مفتوحة، كانت في الوقت نفسه سداً للحماية وبعدما تهاوى ذلك السد بانسحاب تلك القوات ذهبت الأمور نحو الأسوأ، بحيث انتقل مفهوم المقاومة بطريقة دعائية ملفقة من التصدي الوطني للمحتل إلى الإرهاب الذي كان يجب أن يُقاوم، لا من طريق الدولة التي أشرفت على الإعلان عن فشلها، بل من طريق جماعات مسلحة يدين الكثير منها بالولاء لإيران. كانت إيران من طريق تلك الميليشيات المدعومة بجهد حزبي تحاول أن تنتهي من صوغ المسخ الذي اسمه العراق وهو في حقيقته لا يمت إلى العراق التاريخي بصلة. 
 
يومها تم اختراع "داعش" ليتم تصنيف سكان المدن ذات الأغلبية السنيّة باعتبارهم "دواعش". صارت "الداعشية" هي الهوية وهو ما كان مطلوباً من قبل الأحزاب الشيعيّة القلقة على مستقبلها في الحكم بسبب شعورها بانحسار شعبيتها في المدن ذات الأغلبية الشيعيّة. لقد اكتشف سكان تلك المدن أنهم لم يكونوا سوى أصوات انتخابية ولم يكن لشيعيتهم أي تأثير على صعيد الحصول على حقوقهم التي تنص عليها مبادئ الوطنية. كان التخويف من "الإرهاب السنّي" هو السلّم الذي ارتفعت من خلاله قيادات الأحزاب الشيعيّة الى نخبويتها وبقي فقراء الشيعة على فقرهم وضآلة حجمهم الاجتماعي. في حقيقته فإن شرط المقاومة الشيعية وقد تمكنت من كبح جماح الاعتراض الشيعي على رداءة الخدمات كان قد أقام عقداً وهمياً مع إرهاب سيكتشف العراقيون أنه كان محض افتراء وأن الطائفية السياسية المستفيدة من نظام المحاصصة هي التي أسسته من غير أن يكون له وجود في الواقع.   
 
لقد تم اختراع المقاومة الشيعيّة بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق. كانت إيران قد استفادت من الأخطاء الأميركية حين اختزلت المناطق ذات الأغلبية السنيّة بمفهوم الإرهاب الذي مثلته "داعش" فصار مقاوموها يمثلون عنوة شيعة العراق الذين يسعون إلى الحفاظ على وحدة التراب العراقي. 
 
تلك كذبة ليس في إمكان الصواريخ التي توجه إلى محيط السفارة الأميركية في بغداد أن تتستر عليها. ذلك لأن المقاومة الشيعيّة في العراق ما كان لها أن تقوم لولا الحاجة الإيرانية، كما أن توجيه صواريخ إلى ممثليات دبلوماسية هو في حقيقته يعبر عن سلوك إيراني. 
 
تحاول إيران أن تبرمج مشهدها الخارجي من خلال "المقاومة" العراقية (الحشد الشعبي) واللبنانية (حزب الله) والفلسطينية (حركة حماس) واليمنية (أنصار الله)، وكل الرسائل الإيرانية تصل من خلال الصواريخ التي تطلقها تلك الجماعات. ليست المقاومة سوى شعار كاذب تريد إيران من خلاله تمرير رسائلها إلى الولايات المتحدة.   
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم