إعلان

"الكارثة اللبنانية" وحروبها الأهلية... خلاف المسيحيين والسنّة وتنصّل "حزب الله"!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
العلم اللبناني ومرفأ بيروت المدمر
العلم اللبناني ومرفأ بيروت المدمر
A+ A-
يعيش لبنان حالة من الفوضى. الطبقة السياسية الحاكمة الأسوأ في تاريخ لبنان تأخذه إلى الانفجار وتوفر كل العناصر التي تؤدي إلى حروب أهلية في ظل الانقسامات الأهلية واصطفافاتها القائمة. تدفع البلد أيضاً نحو الانهيار الكبير، ما دامت تختلف على كل شيء، فلا تتقدم بأي تسوية لإخراج البلد من المأزق والأزمة، ولا تتفق حتى على تأليف حكومة إنقاذ تنتشله من حالة عدم الاستقرار، لا بل إن بعض القوى التي تتمسك بالسلطة تريد لهذا الوضع أن يستمر انتظاراً لتغيرات إقليمية ودولية تعيد ترتيب موازين القوى لتكريس معادلات جديدة في الداخل، إلى رهانات في المنطقة، على رغم أن لا أحد يكترث اليوم للوضع اللبناني المزري ما دامت السلطة السياسية الحاكمة هي نفسها وتستحضر عصبياتها لمنع التغيير والإصلاح.
 
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ألغى زيارته للبنان لإصابته بفيروس كورونا. لكن هذه الزيارة لم تكن لتغير من الواقع شيئاً، بعدما انتهت المبادرة الفرنسية وسقطت على أبواب الاستعصاء اللبناني. لا أحد يتمكن حتى الآن من خرق الجدار. التحالف الحاكم في لبنان والممسك بالسلطة، جعل من الواقع اللبناني عصياً على أي تغيير. يتصلب رئيس الجمهورية ميشال عون وكأنه يقف سداً منيعاً أمام إعادة بناء الدولة، وتصطف في مقابله قوى سياسية وطائفية أخرى لها حساباتها في التركيب السياسي اللبناني، ليتبين أن الجميع مسؤول عما آل إليه الوضع اللبناني من أزمات، وهي لا تقتصر فقط على الأشخاص، بل في النظام والتركيبة والبنية السياسية والطائفية القائمة. لكن من يمسك بالقرار اليوم ولديه كل السلطات يتحمل المسؤولية الأولى في دفع لبنان إلى الخراب، وهو ينزلق انزلاقاً متسارعاً إلى الهاوية، فليس هناك إصلاح يطال جوهر النظام وبنيته، وكذلك أي تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي يعيد التوازن إلى مؤسسات الدولة.
 
يظهر رئيس الجمهورية ميشال عون أنه الرئيس الذي يتصرف كطرف سياسي في الحكم. ينحاز إلى تياره السياسي "التيار الوطني الحر" ويتمسك بما يسميه صلاحيات دستورية. لكن الرئيس الذي يعتبر حامي الدستور، ظهر خلال السنوات الأربع الماضية في الحكم وكأنه طرف من الأطراف السياسيين، وهو يصرّ اليوم على أن تكون له اليد الطولى في تشكيل الحكومة، وفرض أسماء للتوزير في الحكومة، لا بل التمسك بالثلث المعطل من خلال إصراره على أن يسمي سبعة وزراء مسيحيين في التشكيلة، وهو عدد يفوق الثلث المعطل. النقطة التي تطرح أسئلة كثيرة، هي محاولة فرض تقاليد وأعراف وممارسات جديدة وكأنها تكريس لصلاحيات أمر واقع، لكنها خطيرة في التوازنات الطائفية في الحكم، لأنها تسحب من المكوّن السني والرئاسة الثالثة بعض صلاحياتها.
 
"حزب الله" في المقابل، يُمسك باللعبة من الجهة الخلفية. هو الطرف الذي يمتلك فائض القوة والسلاح. يُصر على مشاركته في الحكومة وتسمية الوزراء الشيعة ويطالب بحقائب محددة، وفي الوقت نفسه يتصرف كبنية سياسية وعسكرية قائمة من خارج الدولة. ينظّم مناطقه التي يسيطر عليها وينطلق منها ببناه العسكرية والأمنية للتدخل في المنطقة. نجح في الداخل خلال الفترة الأخيرة في تحييد بنيته وسلاحه عن أصل المشكلة، فقدّم نفسه على قاعدة النأي، ليتولى في ما بعد القيام بوساطة لحل المعضلة القائمة وهو جزء منها لا بل قوة أساسية مقررة وممسكة بالأرض. قبل ذلك فرض "حزب الله" ما يريده في الملف الحكومي، على رغم كل العقوبات التي فُرضت عليه، وصوّر المشكلة أنها خلاف سني ماروني حول اتفاق الطائف، وقدّم سلاحه وممارساته وهيمنته وكأن لا علاقة لها بالمعضلة القائمة في لبنان.
 
المكوّن السنّي أيضاً في التركيبة اللبنانية وموقعه في رئاسة الحكومة تحرك على أكثر من جبهة. رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، تحرك لحماية صلاحيات هذا الموقع، معتبراً أن الرئاسة الثالثة جرى إضعافها الى أقصى الحدود. فتعطيل تشكيل الحكومة، وتصلّب عون في موقفه، وإصراره على تشكيلة تُضعف دور الرئاسة الثالثة، وتصرفه كطرف سياسي يسعى إلى الاستحواذ على الأكثرية في الحكومة والإمساك بالقرار، دفع الحريري إلى المبادرة هذه المرة بطريقة مختلفة، بالتصلب والهجوم على قاعدة طائفية أيضاً، لكنها تحمل في طياتها بناء خط دفاع عن الصيغة الذي حددها الطائف، فضلاً عن محاولة تعويض الخسائر التي تكبّدها خلال مشاركته في الحكومة وترؤسه لحكومتين خلال عهد عون ثم تكليفه مرة ثالثة، وهي كلها أخذت من رصيده وأضعفت موقعه في البيئة السنية وفي الموقع السياسي العام.
 
لا شك في أن المعارك التي تخاض اليوم بين القوى السياسية والطائفية في لبنان، تؤدي الى مزيد من الانهيار. فممارسات العهد، استنفرت قواعد سنية بفعل تراكمات عدة، إذ إن بيئة السنية السياسية تعتبر نفسها مستهدفة من التيار العوني ومن موقع رئاسة الجمهورية المتحالف مع "حزب الله"، وهذه التراكمات تعود إلى المرحلة التي سبقت وصول عون إلى الرئاسة، لا بل تعود أيضاً إلى ما قبل انفجار الحرب في سوريا. وينذر الوضع بمزيد من المواجهات والاصطفافات، وكأن البلد ذاهب فعلاً نحو الحرب والانفجار.
 
لا خطوط حمراء للفوضى في لبنان، فيما الاحتضان العربي والدولي له شروطه، ولا أحد مستعد على الأقل عربياً وخليجياً لأن ينظم حملة خاصة بإنقاذ لبنان، إذ إن هذه الطبقة السياسية الحاكمة وفي مقدمها اليوم رأس السلطة، غير مستعدة لأي تسوية ولا تغييرات ولا تنازلات، فمن سيساعد لبنان في وضع كهذا؟ البلد يغرق وهناك من يحفر لشعبه القبور، لكن هؤلاء ليسوا مجهولين، يثيرون النعرات الطائفية والغرائز ويستنفرون العصبيات، بل هم أنفسهم الذين قرروا أخذ لبنان الى الدمار. 
 
Twitter: @ihaidar62
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم