مواجهة أوروبية خجولة للإرهاب

المصدر: النهار العربي
منير أديب
الإخوان المسلمين" في بريطانيا"
الإخوان المسلمين" في بريطانيا"
A+ A-
تعيش أوروبا حالة من الانكسار أمام الإرهاب الذي ضرب أغلب عواصمها مؤخراً، حتى باتت القارة العجوز عاجزه عن مواجهة هذا الإرهاب، فقد اتفقت العواصم الأوروبية على كل شيء إلا مواجهة تيارات العنف والتطرف التي ضربت جدار هذه القارة، فباتت مكلومة.
 
لا يوجد من بين دول العالم من يُعلن دعمه للإرهاب صراحةً، بل كل دول العالم تُعلن رفضها لكل صور الإرهاب والتطرف؛ ورغم ذلك نجد من هذه الدول من يُدعّم تيارات العنف والتطرف والتمرد في شكل خفي، كما نجد من هذه الدول أيضاً من لا يُعطي بالاً لمواجهة الإرهاب، وكأن هذه المواجهة من نافلة العمل السياسي.
 
وهنا نحاول أن نضع أيدينا على الداء الحقيقي، حيث بات المجتمع الدولي وقد قصّر في مواجهة الإرهاب حتى بات حقيقةً بعد أن كان ظاهرةً عابرة، وهو ما استغلته جماعات العنف والتطرف، فما يشهده العالم الآن من تنامي لهذه الحقيقة، ليس لقوة هذه التنظيمات وإنما لافتراق المجتمع الدولي عن مواجهتها، وهو ما استغلته هذه التنظيمات فباتت الأقوى كما يراه البعض، وهذه قوة مزيفة ارتبطت بضعف الآخر وليس بقوة هذه التنظيمات.
 
ما زالت أوروبا منقسمه على مواجهة الإرهاب ولعلها لا تعرف وجهتها، وما زال بعض العواصم الأوروبية تستخدم وتستثمر جماعات العنف والتطرف، ولعل بريطانيا أحد أهم وأبرز هذه العواصم، وتقلّدها عواصم أخرى ما زالت تُراهن على مصالحها السياسية مع هذه التنظيمات التي تبدو قوية في بعض البلدان ومؤثره في بلدان أخرى.
 
سمحت أوروبا للتنظيمات المتطرفة في التواجد على أراضيها من خلال المراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية، وهنا نعلّق على وجود هذه التنظيمات، وليس على وجود هذه المراكز التي تحتاج إليها الجاليات المسلمة في هذه البلدان، فلك أن تتخيل أن الكثير من هذه المراكز تتلقى دعماً أجنبياً من دول وتنظيمات لها أهداف أيديولوجية، وهنا سمحت بعض العواصم الأوروبية بدخول أموال أجنبية من دون أن تتحرى أوجه الإنفاق ومن دون أن تبحث عما وراء هذه الأموال والهدف من وراء دعم هذه المراكز.
 
لم يقتصر الأمر على مجرد دعم الجمعيات الخيرية ولا المراكز الإسلامية، وإنما ذهب لتدريب الأئمة والدعاة الذين يعملون في هذه المراكز حتى أصبح الكثير منهم صاحب أيديولوجيا تُحرض على العنف وله إنتماء تنظيمي بجماعة ما، تدفعه لنشر سموم الكراهية وهو ما انعكس في أعمال إرهابية ضربت كثير من العواصم الأوروبية.
 
لا بد للعواصم الأوروبية من أن توقف نزيف الدعم الأجنبي للمراكز الإسلامية، على أن يتم الانفاق عليها من أموال الحكومة المحلية التي تتواجد فيها هذه المراكز، قولاً واحداً. هذه المراكز تعمل وفق ما يرتضيه صاحب الانفاق الأجنبي، كما لا بد من أن يُحال تدريب الأئمة في هذه المراكز إلى المؤسسات الدينية الكبيرة والمجامع الفقهية الموجوده في بلداننا العربية والإسلامية غير المؤدلجة بطبيعة الحال، ولا يختلف على فكرها أحد وتمتاز بوسطيتها المعهوده.
 
أغلب العمليات الإرهابية التي حدثت في أوروبا استخدم فيها المتطرفون شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، سواء في التواصل أو التجنيد أو حتى تنفيذ عملياتها المسلحه، وهو ما يضع عبئاً على القارة الخائفة بضرورة تشديد الرقابة على الإنترنت ومراقبة كل منْ يحض على الكراهية.
 
تستفيد جماعات العنف والتطرف من مساحة الحرية المتاحة في أوروبا وتتحرك ما بين بلدانها، كما أن قوانين هذه البلدان تُعطي هامشاً أكبر لحرية المواطن، وهذا ليس عيباً، ولكن يتم استغلاله من قبل هذه التنظيمات، وهو ما يستلزم إعادة النظر ليس في القوانين التي يستفيد منها هؤلاء المتطرفين وإنما في القوانين والتشريعات التي تستطيع هذه الدول من خلالها مواجهة هذه التنظيمات.
 
وهنا لا بد من أن يخضع بعض الأشخاص للرقابة مدى الحياة، إذا كان هؤلاء الأشخاص مصرون على الإيمان بأفكار من شأنها أن تؤدي لممارسة الإرهاب، وهنا اتحدث عن الإيمان بأفكار وليس الإيمان بعقائد، فهناك من لا يرون في الإسلام إلا القتل والذبح حتى ولو سمّي ذلك جهاداً في سبيل الله، فهؤلاء حتماً لا يُعبرون عن الإسلام ولا تؤمن عواقبهم، وهنا تُصبح الرقابة واجبة وضرورية ودائمة.
 
من الاستراتيجيات المهمة التي تحتاج إليها أوروبا في مواجهة الإرهاب، أن يكون لديها بُعد نظر في ما يخص بيئة التطرف والإرهاب، بحيث تكون نظرتها أبعد من مجرد الاشتباك مع المتطرف الإرهابي إلى من يدعم هذا الإرهاب أو يُحركه سواء من خلال الأفكار أو بالأدوات، وهذا ما نسميه بيئة التطرف، وغالباً هذه البيئة توفرها حركة "الإخوان المسلمين"، الموجودة في أغلب بل كل العواصم الأوروبية منذ عقود طويلة وتُسأل عن كثير مما يحدث في هذه القارة المقهورة.
 
شَكل "الإخوان المسلمون" لعقود طويلة مجتمعات موازية داخل المجتمع الأوروبي، متسللين إليه عبر المراكز والجمعيات الدينية ودور العبادة، وباتت هذه الدور البوابة الخلفية لهذه التنظيمات، فلا تستطيع أن تنزع "الإخوان" من أوروبا حيث مركزوا أنشطتهم، فيما لا يمكن انتزاعه في المراكز الإسلامية ودور العبادة، وهو ما يستوجب ضرورة المواجهة حتى تتخلص أوروبا نهائياً من الإرهاب.
 
وهنا لا بد من قول بضرورة مراجعة القوانين التي تنظم العلاقة بين هذه الحكومات وبين المجتمع المسلم، وأن يُعاد النظر والتدقيق في المراكز الإسلامية، من يتولاها ويديرها وصلاحية أفكاره، وهنا نعيد القول، إن حديثنا عن إدارة هذه المراكز وليس عن عدم وجودها ولا عن تدخل الحكومات الأوروبية فيها، فقط من حق هذه الحكومات أن تطمئن لما يقدم فيها أو عبرها، بما يُخالف قوانين هذه الدول ويؤثر في أمنها واستقرارها.
 
من الأزمات التي تلعب عليها تنظيمات العنف والتطرف، أنها تستغل كل من اتّهم أو مارس جريمة سياسية ذات أبعاد دينية للقيام بعمل آخر يُهدد الأمن، وهنا يجب عدم التهاون مع من سبق عمله مع تنظيمات العنف وخضوعه للرقابة الدائمة، مع ترحيل عشرات المتطرفين الأجانب الذين يحملون جنسية العواصم الأوروبية، فهم يمثلون خطراً حقيقياً على أمن أوروبا.
 
على دولنا العريبة التي تضع على كاهلها فكرة مواجهة الإرهاب ومشغولة به، أن تساعد هذه القارة المنكسرة والخائفة والمقهورة في المواجهة الصحيحة، وأن تُصحح هذه الدول من استراتيجيتها في مواجهة الإرهاب داخل هذه القارة، فأغلب الإحصائيات تشير إلى أن التنظيمات المتطرفة والدول التي تدعمها أكثر تأثيراً من غيرها، بينما باتت جهود أوروبا وداعميها خجولة في مواجهة الإرهاب.
 
الكلمات الدالة