إعلان

هل ترسّخ باريس أقدامها مرّة أخرى في لبنان والعراق؟ ​

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
 إمانويل ماكرون خلال زيارته بيروت في السادس من آب (أوغسطي) الماضي
إمانويل ماكرون خلال زيارته بيروت في السادس من آب (أوغسطي) الماضي
A+ A-

في نهاية ولاية الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، وفي ظل التكهنات بأنه لن يفوز بولاية رئاسية جديدة، قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمحاولة التّقدم على مسرحين شرق أوسطيين هما لبنان والعراق، محاولاً بذلك استغلال بداية تحوّل الإدارة الأميركية الحالية إلى "بطة عرجاء". ففي المسرح اللبناني الذي استغل الرئيس الفرنسي فيه الانفجار – الجريمة في مرفأ بيروت الذي دمّر ما يقارب نصف العاصمة اللبنانية، سارع ماكرون إلى القيام باختراق سياسي كبير، على خلفية الانفجار المدمّر، وتراكم تبعات الأزمة المالية – الاقتصادية – السياسية التي عصفت بلبنان منذ خريف العام الماضي.

 

 

وكان ماكرون قد زار لبنان مرتين، الأولى مباشرة بعد الانفجار، فتقدم المشهد في بلاد الأرز، وسرق، وإن مرحلياً، جزءاً من الدور الأميركي الذي يتقابل مع الدور الإيراني. دخل ماكرون من بوابة تحقير القيادات السياسية اللبنانية التي تتحمل حقاً مسوؤلية كبرى في ما آلت اليه الأوضاع في لبنان، وطرح فرنسا منقذاً للبنانيين من هذه المرحلة السوداء التي يواجهونها منذ وقت طويل، ولا يجدون خشبة خلاص منها. وبالطبع طرح ماكرون نفسه حلقة وصل بين ثلاثة لبنانات، الأول، هو لبنان الثائر منذ السابع عشر من تشرين الأول ( أكتوبر) 2019 على الواقع المريع الذي وصل اليه. والثاني، لبنان الواقع تحت نفوذ إيران المباشر عبر ذراعه "حزب الله". والثالث، لبنان المعارض للسيطرة الإيرانية على البلاد التي تمارس عبر سلاح "حزب الله"، وقدراته العسكرية والأمنية. اخترق ماكرون الساحة التي يتجاذبها الإيراني والأميركي، ووضع فرنسا بوعودها الاقتصادية، وصلاتها المميزة مع لبنان على أكثر من صعيد تاريخي، ثقافي، واجتماعي، في وسط لعبة النفوذ في المنطقة، فتموضعت باريس في لبنان بانتظار نتائج الانتخابات الأميركية، وخصوصاً أنّ الرئيس الفرنسي يقدّم نفسه بالصورة الديغولية – الميترانية التي تحاول أن تجد لنفسها دوراً متمايزاً عن الولايات المتحدة في الملفات الدولية الكبيرة.

 

في لبنان، حقّق ماكرون اختراقاً يحتاج اكتماله إلى نجاح الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري في اقتناص تكليف لتشكيل حكومة جديدة بمواصفات "فرنسية" فحواها أن تكون "حكومة مهمة" طارئة ومؤقتة تتشكل من أصحاب اختصاص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان الذي وصلت به الأوضاع الى الحضيض. والهدف الفرنسي هنا يقضي باقتناص الفرصة قبل الانتخابات الأميركية بصرف النظر عن نتائجها، من أجل أن تكون للبنان حكومة ترعاها باريس تفرض نفسها على "واشنطن ترامب" أو "واشنطن بايدن" في المرحلة الأميركية الانتقالية التي ستمتد إلى نهاية شهر كانون الثاني (يناير) المقبل، كما تفرض نفسها على الطرف الإيراني الذي سيشارك فيها مشاركة غير مباشرة، فيما ينتظر هو الآخر اتضاح صورة المرحلة المقبلة.

 

في ساحة ثانية في المنطقة، كانت زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لبغداد مباشرة بعد زيارته الثانية لبيروت في مطلع الشهر الفائت، مناسبة أخرى لكي يحاول تحقيق اختراق في ساحة مواجهة إيرانية – أميركية، في ظلّ ما يُحكى عن قرار أميركي بالانسحاب من العراق، أو أقّله التخفيف من وجود القوات الأميركية إلى أقصى حدّ. فماكرون الذي ينتظر بفارغ الصبر هزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية في الثالث من الشهر المقبل، يريد أن يقبض ثمن دفاعه المستميت عن الاتفاق النووي الإيراني الذي خرجت منه إدارة ترامب سنة 2018، من خلال التسلّل في شقوق الصراع في العراق والذي يتمثل اليوم في الخلاف الكبير بين إدارة رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي والميليشيات المرتبطة بإيران، وذلك من دون أن يثير حساسيّة استثنائية لدى الإيرانيين، ومستفيداً من احتمالات تحسّن العلاقات مع واشنطن في ظل إدارة جو بايدن التي ستعود على الأرجح إلى التمسّك بخيارات إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في السياسة الخارجية، ما يفسح في المجال أمام ماكرون لإيجاد موطئ قدم سياسي – اقتصادي في العراق، إضافة إلى عودة الأمور إلى سابق عهدها بالنسبة الى ترجمة العلاقات الفرنسية – الإيرانية على الأصعدة التجارية – الاقتصادية والسياسية.

 

حتى اليوم استطاع ماكرون أن يحقّق تقدّماً ملموساً في المنطقة، حيث عانت فرنسا مؤخراً الكثير من أجل أن ترسّخ نفوذها في مكان وسط، ما بين النفوذين الطاغيين في لبنان والعراق، عنينا الإيراني والأميركي. والسؤال المطروح اليوم: هل ينجح الرئيس الفرنسي في الفوز بحكومة لبنانية جديدة قبل الانتخابات الأميركية؟ وهل ينجح في لعب دور وسط الاشتباك الحاصل في العراق؟

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم