إعلان

أفغانستان... إنهيار "المعبد" الأميركي

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الأميركيون يغزون افغانستان
الأميركيون يغزون افغانستان
A+ A-
للنجاح ألف أب والفشل لا أب له. فعندما انسحب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان تحت ضربات المجاهدين وحلفائهم العرب والمسلمين، ورعاتهم الأقليميين والدوليين، رفع الكثيرون رايات النصر. ولما تقاتل المجاهدون الأفغان على الغنائم، وخرج الإرهابيون من تحت عباءاتهم وقلب كهوفهم ورؤوس جبالهم ليعيثوا في الأرض فساداً، تنصل أصحاب الرايات من مسؤوليتهم، ورموها على الأضعف صوتاً وأقل حيلة. 
 
وحّدت "طالبان" البلاد عام 1996، وأنهت الحرب الأهلية، ثم تورطت بإستضافة منظمة "القاعدة" المسؤولة عن تفجيرات السفارات الأميركية في أفريقيا، والمجمعات السكنية في السعودية، ثم هجمات أيلول (سبتمبر) 2001. تلقت الإمارة الإسلامية وحدها الانتقام الأميركي، رغم أن مسؤولية إيران أكبر في التخطيط والدعم والتوجيه للعمليات الإرهابية. 

الغزو الأميركي
كان بالإمكان أن تكتفي واشنطن بضربات جوية وصاروخية مدمرة، ولكنها أختارت أن تغزو البلاد وتحتلها وتقيم فيها دولة على الطريقة الأميركية، وتنشئ قواعد عسكرية على مرمى حجر من الصين وروسيا والهند وإيران، ترتبط بشبكة القواعد المقامة في الجمهوريات الإسلامية جنوب روسيا وحلفاء آسيا والشرق العربي وأن تضع يدها على ثروات معدنية تقدر قيمتها بثلاثة ترليونات دولار، وتشمل أكبر احتياطي عالمي من الليثيوم الحر المستخدم في صناعة البطاريات للجوالات والسيارات والطائرات، وثاني أكبر احتياطي من النحاس والبريليوم، وملياري طن من الحديد، و 1.4 مليون طن من المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات الفضائية والعسكرية المتطورة، والطاقة المتجددة والنظيفة، مثل السيريوم واللنيوديميوم واللانثايوم والكوبالت، إضافة الى الذهب والحجارة الكريمة والنفط و 400 نوع من الرخام.    

المفاجأة أن "طالبان" البشتونية التي أنشأتها الاستخبارات الباكستانية في منتصف التسعينات من القرن الماضي لم تطوِ راياتها وترحل، بل عادت الى قواعدها سالمة في قندهار، واحتمت بقبائل البشتون التي تشكل نصف سكان أفغانستان، واستعانت بإيران وباكستان، وأحيت تجارة المخدرات والخطف والإرهاب لتمويل أعمالها.    

أفغانستان الأميركية 
أما في المدن والمناطق الحضرية، فقد قامت دولة جديدة وأنشئ جيش جديد، على مقاييس الغرب، وبحماية جيوشه. استقدمت اميركا مواطناً أميركياً-أفغانياً (حامد كرازاي) وأقامته رئيساً وصممت له نظام حكم يدين بالولاء للمحتل، ويلتزم قيمه وأسلوب حياته. ولأن النظام الجديد لم يوافق ثقافة البلد وقيم الشعب المتدين (حنفي، صوفي)، القبلي المحافظ، فقد أنفقت واشنطن وحدها قرابة تريليوني دولار لضمان ولاء الإدارة والجيش والأمن للنظام ورعاته، غير ما أنفقه حلفاء اميركا. 

وكما حدث في العراق، توارى الانتماء للأرض والعقيدة والقبيلة، وحل مكانه التخادم مع الشلّة والانتماء للعائلة والذات، والاستقواء بالأجانب وذوي النفوذ. وهكذا عمّ الفساد وضعف الأمن واختل النسيج الاجتماعي. ربح من ربح، وخسر من خسر، بقي من بقي وهاجر من هاجر، وظن المحتل أن البلد استقر أخيراً تحت قيادة من اختياره، ونظام من تصميمه، وجيش على صورته، وتحت  حمايته ووصايته. 

العقدة الفيتنامية 
إلا أن حرب العصابات التي بدأت ضعيفة في السنوات الأولى، سرعان ما زادت وتيرتها وتطلب أمرها استقدام المزيد من القوات، حتى بلغت في أوجها 150 ألفاً، بكامل عدتهم وعتادهم، وفوقها عشرات الألوف من قرابة خمسين دولة حليفة. أما الجيش الأفغاني فقد بلغ تعداده 300 ألف، عدا قوات الأمن الداخلي، مدربين ومسلحين على أحدث النظم والتجهيزات الأميركية. ولكن، كما في العراق، فقد لاحقت العقدة الفيتنامية التفوق العددي والتسليحي بحرب استنزاف طويلة، دموية، محبطة، عطلت مشاريع البنية التحتية وتأمين مناطق التعدين وشبكات النقل ومرافق التصدير، وحمت ثروات البلاد من النهب والاستلاب. 

أخيراً، وبعد عشرين عاماً من الخسائر المادية والبشرية، قررت واشنطن أن تنسحب، وتدع الخبز لخبازه، والأرض لأهلها، وفي ظنها أن هيكل المعبد الذي بنته على أحدث ما وصلت اليه مدنيتها وعلومها وخبراتها، سيصمد ويبقى حليفاً يحمي ظهر أميركا ويكفيها شر الجماعات الإرهابية، ويحقق مصالحها الاستراتيجية. 

هذا بالضبط ما قاله الرئيس الأميركي جو بايدن قبل شهر من اليوم وهو يدافع عن قراره الخروج السريع من "مقبرة الغزاة" معلناً ثقته بالنظام والجيش الأفغاني الذي انشأته اميركا على مدى عقدين، وأن فضيحة فيتنام لن تتكرر مرة أخرى. ثم عاد قبل يومين ليعلن التفاجؤ بفشل الأفغان (الأميركيين) في الصمود ولو بضعة أيام حتى يتمكن من الانسحاب المدني بعد العسكري، وإغلاق السفارة بالضبة والمفتاح! 

هيكل المعبد 
(اذا كسرته ملكته، أي تحملت مسؤوليته ودفعت ثمنه) قانون أميركي يستخدمه أصحاب المتاجر مع المشترين، ولكن يبدو أن القادة لا يلتزمونه خارج بلادهم. ما أهمل الرئيس الأميركي ذكره وتذكره، أن أحداً لم يدعه الى احتلال أفغانستان، وفرض النظام الديموقراطي الغربي بالقوة والمال. كما أنه لم يشرك ولم يستشر أو حتى يبلغ القيادات الأفغانية، التي يتهمها اليوم بالجبن والتخاذل، بفحوى الاتفاقيات السرية التي عقدها مع "طالبان" في الدوحة، أو بقراره الانسحاب بهذه السرعة، أو بمصيرها بعد الانسحاب. 

ماذا كان ينتظر من قيادات سياسية اختيرت من الجالية الأفغانية في أميركا، أغراها بدولاره، وحماها بجنده، عندما يزول المبرر وترفع الحماية؟ ماذا كان يتوقع من جيش تقليدي، يقوده عملاؤه أن يفعل عندما يحرم الغطاء الجوي والصاروخي، السياسي والمالي، أمام قوات تعتمد أساليب حرب العصابات وأدوات الميليشيات، تنتمي الى قبيلة واحدة، وعقيدة واحدة، وتحظى بقبول شعبي كبير؟ وما ذنب مئات ألوف المتعاونين مع المحتل ليتركهم لمصيرهم ويرحل؟  

هيكل المعبد الأميركي الذي بني في عقود انهار في ساعات، والعسكر الأفغان سلموا سلاحهم الى "طالبان"، مقابل تأمينهم، وباع قادتهم قواعدهم لها، وفتح حكام الولايات والمدن، وآخرها العاصمة، أبوابها لها. وتكررت المشاهد "الفيتنامية" المذلة، المؤلمة على سطح السفارة ومدرجات المطار، وانكشفت عورة الاستخبارات وتكرر فشل الساسة في فهم الشعوب وإدارة الاحتلال وبناء الدول. شمت الشامتون، وسخر الساخرون، ووصلت الرسالة مرة أخرى، واضحة، مدوية، الى حلفاء أميركا، بأن "المتغطي بالاميركيين عريان" .. وأن السياسة الأميركية بلا أخلاق، ولا وفاء، ولا أمان. 

"طالبان المحدثة"
خلاصة الشأن، هزمت أميركا، وانتصر الأفغان، فهل ستصمد "طالبان"؟  في تصوري أن "طالبان" اليوم غير "طالبان" التسعينات. وتكفي الإشارة الى أن قياداتها نجحت خلال مباحثات الدوحة في استبعاد الحكومة الأفغانية والاستفراد بالمفاوض الأميركي، والحصول على اتفاقية ضمنت رحيله، وتسليمها الجمل بما حمل، بما في ذلك المطارات والقواعد العسكرية، والمباني والتجهيزات المدنية.  

كما نجحت في تحييد الخصم القديم، روسيا، والتقرب من الشريك الجديد، الصين، وطمأنة حلف أميركا-إسرائيل-الهند-إيران. ولعل في جولات الوفود الـ"طالبانية" واجتماعاتها مع ممثلي هذه الدول، وظهور متحدثها الرسمي في مقابلة حصرية مع شبكة التلفزيون الإسرائيلية، مؤشر الى البراغماتية السياسية في العهد الجديد.   

أما السياسة الداخلية، فإن البوادر تشير الى المبدأ الشرعي "سددوا وقاربوا". فهي أعلنت أنها ستقيم إمارة إسلامية، تنتهج الشريعة والشورى والتآلف مع جميع المكونات والتحاور معها. كما طمأنت الأقليات العرقية والمذهبية الى حفظ حقوقها، والمرأة الى السماح لها بالعمل، طالما التزمت بالحجاب الشرعي (مع كشف الوجه)، وبالدراسة من دون اختلاط، والأجانب والممثليات الدبلوماسية والمنظمات الإنسانية الى تأمينهم، اذا اعترفوا بسلطتها، ومنحت موظفي الدولة وعسكرها عفواً عاماً، مع عودتهم الى وظائفهم. 

الطريق الى العالم
"طالبان" التي لم يعترف بها في التسعينات إلا ثلاث دول (السعودية وباكستان والإمارات)، سحبت اعترافها بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، تدرك أن بقاءها واستمرارها هذه المرة يعتمدان على اعتراف العالم بوجودها، وحصولها على الدعم الكافي لقيامها، وأن هذا يتطلب التعامل بحساسية مع مسائل حقوق الإنسان، وإشراك المكونات المحلية، والتوقف عن دعم الإرهاب وتجارة المخدرات، وسحب الميليشيات الأفغانية من إيران وسوريا. 

وفي المقابل، ستضمن الإنضمام الى المجتمع الدولي، وعودة اللحمة مع الأمة الإسلامية، وبوابتها السعودية، وتشجيع التجارة والاستثمارات والمساعدات الخارجية، وبخاصة الصينية والخليجية. فالصين وحدها تطمح الى استثمارات تعدينية وبترولية تصل الى تريليون دولار، إضافة الى طريق الحرير والبنية التحتية. 

ولعلها في ثوبها الجديد، وقياداتها الجديدة، وعطفاً على خبراتها في ربع قرن من الحكم والمعارضة، الحرب والسلام، أقدر على التعامل بعقلانية وحكمة مع معطيات الدولة الثانية وتحدياتها، والاستفادة من الفرصة الجديدة. وحينها ستجد أن الشعب الذي ذاق مرارة الحرب الأهلية وفساد السلطة وغياب التنمية عقوداً، سيرحب بعودة الأمن والاستقرار، وأن العالم الذي عانى من تحول البلاد الى أحد أكبر منتجي الأفيون وحاضني الإرهاب ومصدري اللاجئين، سيرحب بحكومة تعيد أفغانستان الى تاريخها الحضاري والإنساني المجيد.   
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم