إعلان

لا يصلح العراق أن يكون وسيطاً بين إيران والعالم

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
خريطة العراق ودول الجوار
خريطة العراق ودول الجوار
A+ A-
هل صار العراق نافذة إيران على العالم العربي؟ العراقيون سعداء بذلك الدور. منهم مَن يؤديه جزءاً من خدمته الجهادية تعبيراً عن الولاء المطلق، ومنهم مَن يعتقد أنه طريق الخلاص الوحيد الذي لا غنى للعراق عنه. ليس من اليسير الجمع بين الطرفين المتناقضين إلا من خلال تلك الفكرة الخدمية التي تمزج السياسة بخيالها. فمَن تعب من إيران لا يتوقع منها خيراً، ومَن لا يزال يأمل خيراً منها لا بد من أن يضع عينه على تسوية أميركية إيرانية جديدة من نوع مختلف، تكون عبارة عن ملحق للاتفاق النووي الذي صار كما لو أنه يتعثر، لكنه في الحقيقة انحرف إلى جدل بوسائل ومواد جديدة، بحيث صار بحر العرب واحدة من طاولات الحوار المعقود في فيينا. 
 
إيران المحاصرة بالعقوبات الاقتصادية الأميركية لا تريد أن تظهر في حالة سيئة. هناك مسافة كبيرة تفصل بين المجتمع والنظام. فإذا كان المجتمع الإيراني قد تضرر بتأثير تلك العقوبات، فإن النظام استطاع أن يعوّض مؤسساته، وخاصة الحربية منها، كل ما يمكن أن تتعرض له من خسائر. كما أنها تجد في أذرعها الممتدة من لبنان إلى اليمن، مروراً بسوريا والعراق، ما يمكن أن يشكل عنصر ضغط على الولايات المتحدة التي تضع مصالحها في المنطقة في المقام الأول بعد قرار الانسحاب من أفغانستان. هل ستكون إيران طرفاً مستفيداً من ذلك القرار، أم أنه سيدخلها في متاهة، هي غير مستعدة للدخول إليها؟ 
 
لذلك فإن إيران في حاجة إلى مَن يتفاوض نيابة عنها. أما أن يكون العراق هو البادئ في القيام بذلك الدور، فذلك لأنه لا يزال قادراً على أن يكون شريكاً مرغوباً فيه ومقنعاً بالنسبة الى محيطه العربي، إضافة إلى أن النظام السياسي فيه هو صناعة أميركية خالصة، بالرغم من أن أركانه لا يخفون ولاءهم المطلق لإيران. ذلك الولاء غالباً ما يشكل سبباً رئيساً لزج العراق في مسألة الصراع الإيراني مع الخارج. وهو صراع يحار المرء في تفسيره. فهل هو عقائدي أم تاريخي أم سياسي أم اقتصادي؟ 
 
ما يهم هنا أن العراق حين يدعو إلى مؤتمر لدول الجوار، فإنه ينفّذ وصية إيرانية. لا شيء إيجابياً يمكن أن يحدث في اليمن ولبنان وسوريا والعراق من غير الحوار المباشر مع إيران. وهو ما طبّقه "حزب الله" في لبنان. فلا شيء يمكن أن يتغير في لبنان من غير الحوار مع "حزب الله". وليس مفاجئاً أن يكون الرئيس الفرنسي ماكرون متحمساً لمؤتمر بغداد. ذلك لأنه جرّب أن يقوم عكس ذلك في لبنان وفشل. 
 
من وجهة نظر العراقيين، فإن التوجه إلى إيران سيحل مشكلتهم. وهم في ذلك يختلفون في غاياتهم المبيتة. منهم مَن يعتقد أن النزاع الإيراني السعودي يلعب دوراً كبيراً في تعطيل خطط الوصول إلى الاستقلال في اتخاذ القرار السيادي، فإذا ما تم التوصل إلى تسوية لذلك النزاع، فإن العراق لن يكون ساحة لصدام المصالح، وهناك طرف ثان يعتقد أن حواراً إيرانياً سعودياً يمكن أن يفتح الباب أمام إيران للوصول إلى إقناع الولايات المتحدة بأنها لا تشكل خطراً على مصالحها في المنطقة.
 
ولكن ما تفكر فيه إيران لا تفكر فيه أي دولة من الدول التي ستشارك في مؤتمر دول الجوار. ترغب إيران في أن يكون العراق جسراً إلى الولايات المتحدة. ذلك صحيح حقاً، والصحيح أيضاً أنها ترغب في أن يكون ذلك الجسر بطريق واحدة. طريق تنطلق منها ولا تعود إليها. وليس من المستبعد أن تكون الولايات المتحدة وهي تتخلى عن النظام الأفغاني، الحليف الذي أهدرت من أجل إقامته المليارات، مستعدة للقبول بما تفرضه إيران على العراق باعتباره ضحيتها الثانية، ما دامت إسرائيل غائبة عن المؤتمر. 
 
وهنا بالضبط تقع مشكلة إسرائيل مع إدارة الرئيس بايدن. فليس من سوء الفهم أن تسعى تلك الإدارة إلى حثّ إيران على إكمال مفاوضات فيينا، فيما تسعى إيران إلى تمرير مشاريعها التي تتعلق بسياستها في المنطقة قبل التوقيع النهائي على الاتفاق النووي. ولا بد من أن تكون كذبة تطبيع العلاقات مع السعودية تنازلاً خطيراً تقدمه من أجل أن تسحب الولايات المتحدة شروطها التي ترافق الاتفاق النووي.  
 
يعرف العراقيون الذين يحلمون بالسيادة أن ذلك المؤتمر سيكون مصيدة لكل أحلامهم، وهو المكيدة التي صنعوها بأنفسهم من أجل أن ينتهي أي حلم بالاستقلال عن التبعية الإيرانية. وإذا أردنا الحقيقة، فليس هناك هدف واضح للمؤتمر سوى ذلك الهدف الذي تسعى إيران من ورائه إلى تطبيع هيمنتها على المنطقة، وهو ما يمهّد لها استئناف مفاوضات فيينا باعتبارها شريكاً قوياً في تقرير مصير المنطقة.
 
ألا تدرك الدول المدعوة إلى حضور ذلك المؤتمر هذا الهدف؟ 
بالنسبة الى دول المحيط العربي، فإن ذلك المؤتمر يشكل الفرصة الأخيرة التي يختبر فيها العراق استقلالية قراره السيادي الذي لا يزال محل شك، أما بالنسبة الى الدول الأخرى، فإن المؤتمر سيكون مناسبة للحوار مع طهران في المكان الذي يشكل عقدة خلاف بين الطرفين. فالعراق الذي يسعى الى أن يكون دولة علاقات عامة، هو في الحقيقة محور الخلاف بين الدول المدعوة إلى المؤتمر وإيران. فهل سينتهي المؤتمر بالاتفاق على إغلاق النافذة الإيرانية واستدراج إيران إلى الموقع الذي تكون فيه بحجمها الطبيعي؟ 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم