إعلان

حرائق وفيضانات وكوارث... الطبيعة غاضبة على البشر فهل من مفر؟!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
جزر المالديف مهددة بالغرق
جزر المالديف مهددة بالغرق
A+ A-
 
 طالت موجة حرائق مدمرة دولا في كل القارات، التهمت النيران البشر والحجر والكائنات، وعانت دول أخرى فيضانات أو جفافا. تقلبات مناخية حادة، تفضح جرائم الإنسان بحق الطبيعة، تزامن ذلك مع تقرير أصدرته هيئة تغير المناخ "IPCC" التابعة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أثار الرعب عالميا، إذ توقع اختفاء دول بالكامل من الخريطة، مثل المالديف التي قال رئيسها السابق محمد نشيد: "نحن ندفع بأرواحنا ثمن الكربون المنبعث من شخص آخر". مصير المالديف يهدد 50 دولة أخرى، وهو ما اعتبره  الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش"إنذارا أحمر للبشرية"، مطالبا بإنهاء عصر "الوقود الأحفوري"؛ فالاحترار المناخي يرفع معدلات العنف والحروب الأهلية والصراعات على الموارد، والأوبئة.. إنها جِناية الإنسان على "الكوكب"، والجناة هم "الأغنياء"، والثمن الفادح للتقدم والتنافس الاقتصادي، فهل من مخرج، أم أن الفرصة ضاعت والانهيار لا محالة قادم؟!.
 
الأرض تختنق
الرئيسة المشاركة لمجموعة الخبراء التي طورت التقرير الأممي عن المناخ فاليري ماسون ديلموت حذرت من أن نظام مناخ الأرض يتغير بسبب الأنشطة البشرية، فانبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة من الوقود الأحفوري وإزالة الغابات تخنق كوكبنا، وأضافت أن حرارة الأرض يمكن أن ترتفع 1,5 درجة مئوية عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع الاقتراب من 2030، أي قبل عشر سنوات من التوقعات السابقة.
 
وأكدت أن العقد المقبل محوري لتأمين مستقبل كوكبنا، نعلم ما يجب القيام به للحد من الاحتباس الحراري، أي جعل الفحم من التاريخ والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وحماية الطبيعة وتوفير التمويل المناخي للبلدان الواقعة على خط المواجهة.
 
 تقرير (IPCC) هو الأول من بين ثلاثة تقارير يعكف عليها نحو 1000 عالم؛ لتقييم الدراسات والبيانات الحالية عن التغير المناخي، وسيصدر التقريران الآخران في شباط (فبراير) وآذار (مارس) 2022، لتقييم مخاطر الاحترار العالمي والتوصية بخيارات؛ لتخفيف حدته وآليات تمويلها؛ بحسب الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن المناخ باتريشيا إسبينوزا. وستكون تلك القضية محور اهتمام قمة المناخ في غلاسكو "cop26"، بإشراف الأمم المتحدة؛ وقد أكد رئيس وزراء بريطانيا التي تستضيف المؤتمر بوريس جونسون، أن التقرير الأخير أظهر الحاجة لمساعدة الدول التي تتحمل العبء الأكبر للاحترار العالمي.
 
الاحترار العالمي
ويقصد بالاحترار العالمي تركيز نسب عالية من الغازات الدفيئة، بخاصة ثاني أوكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي، تسهم في امتصاص الحرارة وعدم إخراجها إلى الفضاء. وتظهر الإحصائيات أن الأنشطة البشرية مسؤولة بالأساس عن تسارع معدلات الظاهرة. والأخطر أنها تكشف عن إخفاق جهود التصدي لها؛ فقد ارتفعت انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون 62% بين 1990 و2019. ويعتبر خبراء المناخ أن متوسط درجات الحرارة العالمية للفترة 2016-2020 الأكثر حرارة على الإطلاق. وإذا لم تتقيد الدول المختلفة بمخرجات اتفاقية باريس، من خلال خفض انبعاث الغازات الدفيئة، حتى عام 2050، ومنعها تماما بنهاية القرن الحالي؛ فإن أضرارا جسيمة تعصف بالكوكب، حاضرا ومستقبلا، وقد بدأت نذرها بالفعل: فيضانات في ألمانيا وحرائق الغابات في اليونان وتركيا والجزائر وتونس ولبنان والولايات المتحدة، وروسيا، وإيطاليا، وأستراليا، وموجات حرارة وجفاف شديد، ونضوب تدريجي لمصادر المياه العذبة "الإجهاد المائي"، في دول عدة، بما ترك تأثيراته في الزراعة والأمن الغذائي والسياحة والصناعة وموارد الطاقة، إلخ، نتيجة الأضرار البيئية، كانصهار صفائح جليدية في القطبين الشمالي والجنوبي؛ فارتفع مستوى سطح البحر. لذلك احتاج 166 مليون شخص للمساعدات الغذائية، بين عامي 2015 و2019 لظروف مناخية؛ كما انخفضت المحاصيل الزراعية بنحو 10% على الصعيد العالمي، خلال الثلاثين عاما الماضية، وتراجعت كميات صيد الأسماك في المناطق الاستوائية بنحو 70%، وبحلول عام 2050 سيرتفع عدد المعرضين للفيضانات من 2.1 مليار إلى 6.1 مليار إنسان، وتزداد الهجرة الداخلية ستة أضعاف بين عامي 2020 و2050، مع ما يصاحبها من عنف وإرهاب؛ وربما يصير احتراق المواطنين داخل منازلهم مشهدا مألوفا، على نحو أكثر مأسوية وبشاعة، نتيجة الحرائق المشتعلة في الغابات والأرياف والمدن!.
 
تطرف الطقس
يبدو أن التغيّر المناخي سيرافق كوكب الأرض على الأمد الطويل، وفي حال عدم التصدي للارتفاع المطرد في درجة الحرارة؛ فإن النُّظم البيئية ستنهار، وسيقود الطقس المتطرف إلى إعادة تشكيل الكوكب، لذا تؤكد الدكتورة فاطمة الدرويش وهي من معدي التقرير الأخير عن تغير المناخ إن بعض عواقب الاحترار المناخي "غير قابلة للعكس" أو التدارك؛ موضحة أنه بذوبان الجليد القطبي سيستمر مستوى المحيطات في الارتفاع لقرون؛ ما يهدد جزرا ومدنا ساحلية بل دولا بأكملها بالانقراض والاختفاء من الوجود!.
وتشير الدرويش، في تصريحات صحافية، إلى إمكان حدوث انهيار مفاجئ للدوران الانقلابي الطولي الأطلسي، يفضي الى تحولات في أنماط الطقس الإقليمية ودورة المياه، مثل التحول جنوبا في حزام المطر الاستوائي، وإضعاف الرياح الموسمية الإفريقية والآسيوية، وتواتر ظواهر الحرارة الشديدة والأمطار الغزيرة، أو الجفاف الزراعي والإيكولوجي في مناطق أخرى، والأعاصير المدارية. وبرغم ما سلف فإن الدرويش ترى أن باب الأمل والفرصة لم يغلق بعد؛ فما زال من الممكن تفادي العديد من التغيرات المناخية أو التخفيف من تأثيراتها، عبر تقليل غازات الاحتباس الحراري، للحيلولة دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. 
 
ولأن الدول الفقيرة ينالها النصيب الأوفر من التأثيرات المناخية؛ تبدو مسؤولية الدول الغنية أكبر، سواء كانت دولا متقدمة أم منتجة للوقود الأحفوري، بوصفها المتسبب في الكارثة، ويجب عليها أن تتوقف عن زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة في الصناعة أو غيرها، مع اللجوء الى مصادر الطاقة النظيفة، وتطوير التقنيات في هذا المجال وإتاحتها للجميع، ومساعدة الفقراء جديا للتغلب على التحديات.
 
كتبت الصحافية الأميركية آني لاوري، مقالا في مجلة "ذي أتلانتك" حول التكلفة الباهظة لتغير المناخ، والذي ستعاني أميركا منه الأمَرَّين، في صورة انخفاض الإنتاج الاقتصادي وانهيار البنية التحتية، ناهيك بالمتاعب الاجتماعية والصحية الخطيرة. وقالت إن الحكومة الفيدرالية تنفق أكثر من 700 مليار دولار سنويا على الجيش، لكنها ربما تنفق 15 مليار دولار سنويا فقط، في محاولة وضْع حد لتغير المناخ. والمفارقة أن الحكومة ملتزمة الدفاع عنا وعن حلفائنا ضد الأعداء الخارجيين؛ غير أنه عندما يتعلق الأمر بأكبر تهديد وجودي نواجهه جماعيا– التهديد الذي قد يجعل جزءا كبيرا من الكوكب غير صالح للسكن، وتجويع الملايين، وإشعال صراعات عنيفة في أنحاء العالم– اختارت ألا تفعل شيئا تقريبا. والأسوأ أن تواصل الحكومة الفيدرالية دعم الوقود الأحفوري، ومن ثمّ تدمير الكوكب الذي يمثل وطننا- تقول آني- إن جحيم المناخ موجود في بلادنا، ولا يمكننا تحمُّله ولا تحمُّل كلفته أيضا.
 
من المؤكد أن لجم التغير المناخي ليس مهمة دولة أو حكومة وحدها، إنها مسؤولية مشتركة لجميع البشر، أفرادا وحكومات؛ فليس لدينا كوكب آخر نعيش فيه. 
الخوف كل الخوف مما عناه الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، بقوله: "الساسة هم أنفسهم في كل مكان، يعدون ببناء الجسور حتى لو لم يوجد نهر"!. 
وذاك حديث يطول.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم