إعلان

كيف تخنق حماقة العسكرة مبادرة الصين العظيمة؟

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
مبادرة الحزام والطريق. (أرشيف)
مبادرة الحزام والطريق. (أرشيف)
A+ A-
 مع اختمار معجزة الصين، وتراكم ترليونات الدولارات في خزينتها، خرج الزعيم شي جينبينغ بصيغة بمبادرة "الحزام والطريق" خلال زيارته إلى كازاخستان عام 2013. وإذ تنظر الصين لآسيا الوسطى كمنطقة حيوية لـ"الطريق"، تشكل خطط لإنشاء بنية تحتية للتجارة البحرية على طول طريق ماركو بولو القديم الحزام لربطها جنوب شرق آسيا بأوروبا.

لكن المبادرة أكثر بكثير من مجرد بنية تحتية! إنها محاولة لتطوير شبكة اقتصادية استراتيجية موسعة تسمح بتدفق التقنيات والبضائع في الاتجاهين، لتؤسس لبنية اقتصادية تجارية هرمية، مركزها الاقتصاد الصيني، بما يسمح بتقسيم العمل وتوزيع التراتب التقني بين مختلف دول المبادرة. 

وبالرغم من أن بعض الأوساط الغربية المحافظة وصفت المبادرة بالإمبريالية، إلا أنها لاقت بداية قبولاً غربياً، حيث نظر اليها كمحاولة لتعظيم موقع الصين في تقسيم العمل الدولي في إطار المنافسة المشروعة، فيما يشبه مشروع مارشال. 

لكن منذ إطلاقها، طرحت المبادرة العديد من التساؤلات حول مغزاها وأبعادها. فعلى افتراض أنها لا تحمل بعداً عسكرياً، فانها لكي تنجح، تشترط أولاً ان تتم في إطار منظومة العولمة الراهنة التي أسستها الولايات المتحدة في بريتون وودز بعيداً عن الحروب والنزاعات. ثانياً: ما لم تقم الصين بدعم تعافي اقتصادات الدول الـ 79 للمبادرة، تتحول هذه الدول مجرد منصات تستأجرها الصين لتجارتها او لعمليات التصنيع الثانوي. فمن دون اقتصاد ناجح، ستسقط هذه الدول في فخ الديون كما سقطت مصر بعد حفر قناة السويس، أو كما سقطت أصلاً سيريلانكا وتركمانستان الآن في فخ الديون الصينية. 

في نهاية المطاف لا ينفع "فخ الديون" حتى الصين ذاتها. فإذا علمنا أن حجم السوق في مدينة مثل نيويورك يصل لسبعة أضعاف استهلاك القارة الأفريقية ندرك انه مع التطور التقني الكثيف، لم يعد الصراع الدولي يدور حول الموارد، بل صار صراعاً على الأسواق الغنية والخدمات. 

وبعد فلقد حملت الأزمة المالية عام 2008، إرثاً سلبياً للصين حيث استجابت لحالة الطوارئ بحزمة تحفيز بقيمة 4 تريليونات ين، وأصدرت عقوداً لبناء السكك الحديدية والجسور والمطارات، لكنها أشبعت السوق الصينية في هذه العملية. ولكن ماذا تفعل القطارات وخطوط الكهرباء والموانئ بعد أن تصل للبحر، أو إلي أي من الدول ال15 التي تحدها براً، ما لم تجد أسواقاً واقتصادات مزدهرة، لتسهيل "دبلوماسية الأطراف" الصينية والشراكات التجارية. 

لكن كعب أخيل (أي الشرط الحتمي) لنجاح مبادرة "الحزام والطريق"، هو استمرار مناخ الانفتاح في التجارة الدولية والسلام والقانون الدولي على امتداد "طريق الحرير" البري والبحري. في ظل مناخ كهذا، كان يمكن أن نتصور الصين قوة عمران وتحضر كوني ودولي، تعظم مكاسبها بالشراكة في عالم متعدد الاقطاب. ولكان انجازها الكوني حلالاً زلالاً عليها. 
 
وبالفعل، طالما استمر مناخ من المنافسة الاقتصادية البحتة، فشلت الولايات المتحدة في تأليب أقرب حلفائها ضد الصين. والامثلة كثيرة، تمتد من توسع اتفاقيات آسيان، إلى فشل الولايات المتحدة في اقناع أقرب حلفائها الاوروبيين، بريطانيا، برفض انكشافها الأمني والمعلوماتي الجيني على الصين من خلال مشروع ال G5. بل شكك حلفاء الولايات المتحدة طويلاً في مدى صحة توقعات الاستخبارات الاميركية سواء بنوايا بوتين العدوانية او نوايا الصين ذاتها. وقاوم حتي بوريس جونسون ذلك بقوة.  
 
لكن هيهات، ويا للأسف، لم تجر الرياح بما يدفع سفن المسار البحري ولا قطارات المسار البري. لا رياح الصين دفعت ولا رياح حلفائها الروس. فلقد صعدت في الصين ذاتها، القوى العقائدية والقومية، التي تحاول استعادة سيطرة الدولة على القطاع الخاص وإعادة انتاج نمط جديد من رأسمالية الدولة، إلى جانب تصاعد الميول العسكرية والتوسعية. 
 
وبعد ان تخلخل الخطاب الحذر من الصين، من اليابان وكوريا الجنوبية والفيلبين وحتى تايوان وسنغافورة والهند، ما لبث الخطاب القومي والسلوك العسكري للقيادة الصينية ومناوراتها أن أشعل الحذر والخوف ليس في أستراليا وأوروبا فحسب بل وفي شرق آسيا أيضاً. 
ثم جاءت أزمة كوفيد، وتأخر الصين في الامتثال لأنظمة منظمة الصحة العالمية بالإبلاغ عن الجائحة وأسبابها، ومن ثم جاءت تداعياتها على الاقتصاد الصيني والتراجع الديموغرافي الذي أشرنا إليه في مقالات سابقة، وتشديد الخناق على القطاع الخاص لتساهم بشكل مركب في تقليص النمو الصيني. 
ثم كانت الطامة الكبرى. فحين بارك في الرابع من فبراير (شباط) شي جينبينغ الغزو الروسي المرتقب لأوكرانيا، ألحق أكبر الضرر بمستقبل مبادرته "التاريخية" للحزام والطريق. 

ما الذي فعله بوتين بالصين؟ 
بعدما تراجعت الاعتبارات الاستراتيجية في سياسات الغرب السياسي لصالح المصالح الاقتصادية المباشرة، أعادت مغامرة بوتين وتفاقم المخاوف الغربية الاعتبار للاستراتيجية كعامل حاكم في سياسات هذه الدول ولتصبح أولوية فوق المصلحة الاقتصادية المباشرة. وتعرفت الصين على قدرة الغرب على التوحد، رغم كل الاختلافات، وذاقت طعم العقوبات على روسيا. وإذ يدّخر بوتين النفط والقمح تصبح الصين ضحيته الأولى، ليس فقط بخصوص أثر أزمة الطاقة على انكماش الاقتصاد، بل أثر ادخار الغذاء والمواد الأساسية سلباً وهي المستورد الاساسي لها. وبدأ بالتالي الطلاق مع منظومة  G5 الصينية.  
الأخطر هو تداعي الردع الاستراتيجي الروسي، وبالامتداد تداعي الردع العسكري الصيني معه. فباستثناء قدرة روسيا على الذهاب لجنون الخيار النووي، تداعى الردع الروسي في شكل غير متوقع. منذ الحرب الباردة، ارتدعت اوروبا من آلاف الدبابات الروسية التي لم يكن لها قط القدرة علي مواجهتها. لكنها الآن تكتشف أن "الانتصار" على بضع عشرات من المقاتلين والمدنيين البؤساء في الشيشان وسوريا، يختلف تماما عن التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه روسيا في أوكرانيا. وها هي اليابان تضاعف ميزانيتها، وها هي استراليا والهند الخ. 

وإذ يعترف حتى ماكرون، بانها حرب طويلة الأمد، يكون بوتين قد قبر في أوكرانيا كل أفق واقعي لطريق لربط اوروبا بالصين عبر البراري الروسية، وليبقى من المبادرة الصينية، أفقها المتاح في بعض الدول المجاورة. وحتى هنا، قد لا تكون روسيا شريكاً قابلاً للحياة، لأنها ترى أن دول الاتحاد السوفيتي السابق مثل كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان تنتمي إلى مجال نفوذها الخاص، وهذا الطريق الصيني يصبح عندها تحدياً خطيراً لقوة روسيا. وبذلك وبعد ان تمكنت دول مثل اليابان والمانيا تحقيق معجزتها بعيداً عن العسكرة، تخنق عسكرة المناخ الدولي مبادرة الصين العظيمة. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم