إعلان

النفط والحليب مقابل السيادة والكرامة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
طابور البنزين أمام إحدى محطات الوقود
طابور البنزين أمام إحدى محطات الوقود
A+ A-
مشهد طوابير السيارات التي تنتظر الوقود في شوارع لبنان ليس بالحدث المفاجئ، بل هو نتاج لخيارات الأمس وعقود من استغلال الطبقة السياسة الحاكمة وحتى اللبنانيين أنفسهم لنظام اقتصادي ريعي انتحاري، وقيام "حزب الله" بعزل لبنان عن بيئته العربية مع استبدال بشبكة الأمان الخليجية التي لطالما حمت لبنان شبكة أخرى هدفها الوحيد نصرة التوسع الإيراني ولو على حساب لبنان وشعبه.
 
أزمة المحروقات الحالية ليست مرحلية كما يعتقد معظم اللبنانيين، بل هي أسلوب حياة جديد عليهم معايشته طالما يستمرون بالترويج للكذبة الكبيرة التي تقول إن أزمة لبنان هي في الأساس أزمة اقتصادية وإن العودة إلى "الطبيعة" تتطلب حفنة من دولارات صندوق النقد الدولي أو عطاءات دول الخليج التي من شأنها إعادة الاقتصاد اللبناني إلى مساره.
 
هذه الهلوسة اللبنانية تفترض أيضاً أن الطغمة الحاكمة، وعلى رأسها "حزب الله"، قادرة أو بالأحرى ترغب في القيام بالخطوات الإصلاحية القاسية والتي تبدأ بالكف عن سرقة موارد الدولة وتغطية أزلامها من المحتكرين والأهم فتح الاقتصاد بطريقة ليبرالية حقيقية مع حماية الطبقات الأكثر حاجة.
 
هذا ما تروّج له الطغمة الحاكمة التي وصلت بها الوقاحة أيضاً إلى سرقة شعارات الإصلاح والثورة ليتحول المجرم والمختلس وتاجر المخدرات ثورجياص، تماماً كما يحصل اليوم في شوارع لبنان بعد أن قامت السلطة بالدعوة الى التظاهر من أجل إسقاط "نفسها" في ما يصح وصفه بالاستمناء السياسي والنفاق الأخلاقي.
 
سبب إذلال الشعب اللبناني أمام محطات الوقود والصيدليات وقريباً الأفران والمستشفيات، ليس فقط الفساد المستشري والزبائنية اللذين نهم منهما المواطن اللبناني لعقود، بل السلاح الإيراني الذي يحمي طبقة حاكمة تدعي أن سلاح "حزب الله" هو شأن إقليمي ولا إمكان لكبحه داخلياً.
 
لبنان، ورغم فساده، لا يمر بأزمة اقتصادية، بل إن الانهيار المالي والاقتصادي والفقر هما نتاج خوف اللبنانيين من الوقوف في وجه شعوذات حسن نصر الله ورياض سلامة المالية التي تستمر في دعم الاقتصاد، موهِمة اللبنانيين بأن تحرير الدعم هو أسوأ من اقتصاد الذل والجوع.
 
لبنان يملك مخزوناً من الاحتياطي النقدي الأجنبي يصل حالياً إلى نحو 15 مليار دولار بعد أن كان 42 ملياراً سنة 2020. في حين أن غانا مثلاً تمتلك 6.9 مليارات دولار من الاحتياطي الأجنبي وهي من الدول الأكثر جاذبية للاستثمارات في الوقت الحالي. ورغم مشاكلها والفساد الذي يلفها لا تزال تكافح وتتخذ الخطوات المناسبة لتحظى برعاية المجتمع الدولي، كما كان حال لبنان قبل عام 2005.
 
الفرق أن غانا بطبقتها السياسية، وعلى عكس قرينها لبنان، لم تبع روحها للشيطان وتمرر عام 2016 انتخاب ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وغانا لا تحوي رجل دين معمماً يحاضر بالإصلاح ومكافحة الفساد وحزبه هو المرشد الأعلى للجريمة المنظمة في أنحاء المعمورة. العودة إلى مصاف الدول الطبيعية لا تتطلب خطة اقتصادية فحسب، بل تحتاج إلى حوكمة صالحة تقف في وجه ولاية الفقيه وولايات الفساد المتعددة التي قبِل المواطن اللبناني بالتطبيع معها تحت حجج عدة، معظمها غير أخلاقي.
 
الوقوف في طوابير الذل هو خيار اتخذه اللبنانيون عندما صمتوا عن تحويل بلدهم وعاصمتهم من بيروت رفيق الحريري الى كراكاس نيكولاس مادورو وصنعاء عبد الملك الحوثي، وعندما قبِلوا بالتنازل عن السيادة والكرامة مقابل البنزين والحليب والتثبيت الوهمي لليرة بغية البذخ والإسراف أكثر من طاقتهم. عاجلاً أم أجلاً، البنزين والحليب والدواء المدعوم ستنقطع بالكامل والشعب اللبناني سيضطر لمواجهة الحقيقة المطلقة بأن الرخاء والبحبوحة والسلاح غير الشرعي Do not Mix.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم