إعلان

لا... "شيرين" شهيدة فلسطين قبل أن تكون شهيدة الصحافة

المصدر: النهار العربي
محمد السلطاني
صور شيرين أبو عاقلة وعلم فلسطين على منزل في رفح. (رويترز)
صور شيرين أبو عاقلة وعلم فلسطين على منزل في رفح. (رويترز)
A+ A-
يحتاج المرء، تجرؤاً كبيراً قبل إطلاق عبارة "شيرين أبو عاقلة شهيدة الصحافة وليست شهيدة فلسطين" التي وردت في مطلع أحد المقالات مؤخراً، ذلك أن التفريق بين فلسطين والحقيقة في هذه الحالة على الأقل، ليس مهمة سهلة، حتى بالنسبة لأولئك المُعلّقين المتحدرين من شعوب المنطقة، الذين يحلو لهم التعامل مع قضاياها بوصفهم "مجرد مستشرقين أجانب يصدرون أحكامهم المحايدة على معارك قبلية لا شأن لهم بها".
 
ولم يفرغ المتشددون الإسلاميون منذ أيام، من مناقشة جواز اعتبار شيرين شهيدة، حتى طالعتنا آراء أخرى في سياق غير بعيد، عن جواز اعتبار شيرين "شهيدة فلسطين". 
 
وقد عايش العراقيون - قبل غيرهم ربما - محاولات تغيير صفات ضحاياهم، منذ ما قبل مجازر نظام صدام حسين، وصولاً إلى مرحلة مجازر الفصائل الحشدية الموالية لإيران الراهنة، كما قاسوا مرارة الإدانات الخجولة التي كان ينطقها بعض العرب، بعد جهد جهيد، تعليقاً على ضحايا إرهاب المفخخات بعد العام 2003، إلى جانب الألم الذي كان ولا يزال يتسبب به التهوين من جرائم جلاديهم، أو تفسيرها وتحليلها والوقوف على دوافعها والاستدارة حول أسبابها هرباً من إدانتها الواضحة، كما في دفاع فلسطينيين كثُر، عن جرائم نظام صدام  حسين.
 
قبل أيام وصف أحد أشهر إعلاميي العراق، محاولة الإسرائيليين إسقاط نعش شيرين بأنه "تصرّفٌ ولا أدنى" وهي أقسى ما عثر عليه "الشهير" في قاموسه وهو يدين الجريمة المزدوجة.
في مكانٍ آخر، اعتُبِرَ نزع الإسرائيليين للعلم الفلسطيني أثناء التشييع، واعتقال المُشيعين "عادات إسرائيلية سيئة"، على اعتبارها من جنس التدخين أو الإفراط في شرب الكحول أو قضم الأظافر بالأسنان.

تتسبب الهيمنة الإيرانية بتشويه الذات، وتتسلل معايير الفصائل الولائية وأخلاقياتها بهدوء إلى أوساط يُفترض أنها على النقيض، فنفيُ صفة "شهيدة فلسطين" عن "شيرين"، واعتبارها "مجرد شهيدة صحافة" يُحيل إلى عامين من التلاعب اللفظي الذي مارسه إعلام فصائل الحشد الشعبي للالتفاف على جرائم اغتيال رموز مناهضي النفوذ الإيراني في العراق.
 
قرارُ "شيرين"، ومعها آلاف الشباب، من مواليد السبعينات والثمانينات والتسعينات، إدارة الظهر لكل التخصصات المُربحة والمُريحة، والدخول إلى عالم الصحافة، والعمل داخل دول "الرصاص المصبوب" في الشرق الأوسط، لا يعني أن أولئك المُدرّعين بالخوذ والبدلات الواقية، مُغرمون بهذه المهنة، فالصحافي هنا، لا يجلس على الشاطئ ويكتب عن صفات هويات القتلى عبر المحيط، بل ينضم إلى طابور انتظار الرصاصة القاتلة، إلى جانب القتلى الذين ينقل أخبارهم.
 
تركت "شيرين" الهندسة، واتجهت إلى أخطر مهمّة في الفريق الصحافي، وأكثرها مشقة، حين اختارت العمل مراسلةً وبقيت تُمسك المايكروفون، حتى بعد تجاوزها خمسين عاماً. 
 
ينتقل كثيرٌ من المراسلين عادةً إلى مكاتب الأخبار بعد الأربعين لإفادة زملائهم الجدد من خبراتهم، أو طلباً للراحة. ويبقى في الميدان، المؤمنون بمهمّة المراسل، أو أولئك الذين لا يتحلون بمهارات أخرى غير مهام المراسل، وشيرين كانت قادرةً بالطبع، بلغاتها وخبراتها وموهبتها، على الانتقال إلى التدريس الأكاديمي أو أي شأن آخر، ومغادرة الميدان.
 
يُصبح الصحافيون صحافيين في هذه الدول، لأن لديهم شيئاً يريدون قوله، وقضية، ولا يُقتلون إلا لأجل ذلك.
 
الطامعون بالمال والشهرة، يتحوّلون إلى مُبتزّين أو سياسيين أو كليهما، وتحترِق أسماؤهم، أو "مودلز" على "إنستاغرام"، أما المُلتزمون بواجبهم، والمُحترفون، فلا يغادرون وظيفتهم أو الحياة، قبل أن يملؤوا الدنيا بإزعاج القتلة.
 
شيرين كانت مُحترفة، وكانت مؤمنة، وهما صفتان غير كافيتين لأن تستمر سيدة بالعمل مراسلةً ميدانية في فلسطين، لكن شيرين كانت أيضاً قوية. 
 
سيمكن اعتبارها "مجرد شهيدة صحافة" لو أن "شيرين" قُتِلَت برصاصة طائشة أثناء تغطيتها معارك بين قبائل بدائية في مكانٍ ما من هذا العالم، ولدى الصحافيين دائماً، لاسيما الفلسطينيين والعرب – حتى من غير حملة الجنسية الأميركية - الفرص الكثيرة للابتعاد عن ساحات الرصاص التي انتصبت شيرين وسطها منذ ربع قرن.

كانت "شيرين" شهيدة الحقيقة، والحقيقة، ليست أن إسرائيل قتلت صحافية، بل الحقيقة هي أن إسرائيل قتلت فلسطينية أخرى صباح 11 أيار (مايو)، في جرائم مستمرة منذ 74 عاماً، وأن هذه الـ"إسرائيل" تستخدم ميليشيا "دوفدفان" التي يُطلق عليها "فرق الموت" لتصفية المعارضين، وليس لتصفية الصحافيين، وهي التسمية ذاتها (فرقة الموت) التي تُطلق على الفصائل الإيرانية التي تورطت باغتيال الصحافي أحمد عبدالصمد وسط البصرة المحكومة بقبضة المحافظ المقرب من الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني، أسعد العيداني، فهل كان عبدالصمد "شهيد الصحافة" أم شهيد بلاده؟
 
ولماذا لا يستشهد "الصحافيون" ممن يُطلق عليهم "القطط السمينة" الذين يعششون في مكاتب الفصائل والأحزاب الموالية لإيران - أو إسرائيل لا فرق - رغم أنهم صحافيون يمارسون الصحافة؟
 
وما هو المقصود بـ"أدلجة مقتل شيرين وحرفه من الصحافة إلى السياسة"؟ وإذا كان لا بد من "حصر مقتل شيرين في جانبه الصحافي" فهل كان على أعضاء المنظمات الحقوقية في الولايات المتحدة أيضاً حصر قضية مقتل جورج فلويد في سياق الجدل حول الأوراق النقدية المزيّفة من فئة عشرين دولاراً، وعدم "مطّها" وتحويلها إلى قضية حقوقية؟
 
لا يُقتَل الصحافيون لأنهم يُمارسون الصحافة، إنهم يُقتَلون حين يُمارسون الصحافة الفائقة، وهي مجابهة الطرف الأقوى المتغطرس، في فلسطين أو العراق أو إيران أو حيثما حلّوا، وهم بذلك يغادرون ميدان الصحافة كمهنة، ويدخلون نطاقاً آخر، تغدو فيه الصحافة مجرّد وسيلة لإيصال الصوت، تماماً كما في كلمات شيرين "اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان، ليس سهلاً ربما أن أغير الواقع، لكني على الأقل كنت قادرةً على إيصال ذلك الصوت إلى العالم، أنا شيرين أبو عاقلة".

يُقتَل الصحافيون، لأنهم يواجهون "المسلحين المُرتابين" سواءَ كانت صفتهم ميليشيا إسرائيلية، أم جماعات إيرانية، أم شرطة أميركية، وإذا كان التذرّع للقاتل الإسرائيلي متاحاً، بدعوى أنه كان "مرتاباً لأن طبيعته الارتياب" فإن طبيعة جميع القتلة في العراق وغيره، هو الارتياب من عناوين عديدة، مثل الصحافيين، المتظاهرين، رجال الأعمال، النساء في الشوارع، الطيور في السماء، المغتربون العائدون لقضاء بضعة أيام في عاصمة بلادهم، فما معنى التذرّع لقاتل بعد جريمته بأنه "إنما كان مرتاباً لأن طبيعته الشرطية تفرض الارتياب". 

قتل الإسرائيليون "شيرين" في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي، لأنها صحافية فلسطينية، ليس لأنها صحافية فحسب، ولأن الإسرائيليين طالما راهنوا على أن أصوات التذرّع ستجد مخرجاً ما، وإذا لم تكن جريمة الاغتيال مناسَبة لقيام النشطاء الفلسطينيين بإدانة القاتل وحكومته ونظامه، فمتى هو الوقت المناسب؟ عيدُ الشجرة؟

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم