إعلان

تصفير الاحتجاجات في العراق تمهيداً للانتخابات

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
من الاحتجاجات العراقية
من الاحتجاجات العراقية
A+ A-
يصعب على الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق تخيّل وقوع انقلاب شعبي كبير عليها يدفعها إلى التخلي عن امتيازاتها بعد أكثر من خمس عشرة سنة من التمتع بتلك الامتيازات غير المسبوقة محلياً وعالمياً.
 
ولأن ذلك الانقلاب صار ممكناً ولو بصورة افتراضية، ذلك لأن كل شيء في العراق يجري بطريقة تخالف المنطق الواقعي، فإن خوف الأحزاب من التحول المضاد يمكن أن يكون سبباً مقنعاً للجوئها إلى العنف في مواجهة أي محاولة لانفتاح الانتخابات المقبلة  في تشرين الأول (اكتوبر) 2021، على أحزاب صار يجري تداول أسماء مؤسسيها كما لو أنهم قد التحقوا فعلاً بالحياة السياسية.
 
وبالرغم من أن الأحزاب الصغيرة المعارضة لم تظهر حتى اللحظة على الساحة السياسية باعتبارها كتلاً ذات بعد شعبي ببرامج سياسية وطنية واضحة، فإن الحذر من أن تتحول الاحتجاجات ضد الفساد إلى برنامج عمل سياسي وطني يهدف إلى انهاء التمدد الإيراني، يشكل قاعدة لتعامل الأحزاب مع ما يجري من تحولات على مستوى الرأي العام.
 
ما صارت الأحزاب تخشاه أن يكون هناك سباق انتخابي حقيقي، يكون المعارضون الطرف الآخر فيه. وهو طرف غير قابل للاحتواء أو التفاوض.
 
الأسوأ يمكن أن يقع حين يقتنع الشعب أن هناك معارضة وطنية يمكنها أن تنهي تاريخاً من الفساد تمكن من التغلغل في الدولة والمجتمع. معارضة تملك برنامجاً سياسياً واقتصادياً إنقاذياً يستند إلى رؤية وطنية.
 
ما يؤكد تلك الخشية أن الحراك الشعبي قد انتقل من مرحلة الصدام المباشر مع الميليشيات من خلال التظاهر العلني إلى مرحلة تنظيم الصفوف عبر عمل يغلب عليه طابع السرية من أجل الوصول إلى صيغ انتخابية تكون بمثابة تمهيد لانتقال السلطة بطريقة سلمية بعد طول انتظار.
 
ذلك ما يفسر العودة إلى أسلوب الاغتيالات والخطف وافتعال الصدامات بين الميليشيات والقوات الأمنية في ظل حذر حكومي صار هو السمة التي تميز تنفيذ القرارات القضائية الصادرة في حق أفراد مطلوبين ينتمون إلى عدد من الميليشيات التي تسلل بعضها في المرحلة السابقة إلى مجلس النواب مثل ميليشيا عصائب أهل الحق.
 
سيكون علينا هنا أن ننظر إلى انسحاب عدد من مرشحي التيارات المدنية من الانتخابات في وقت مبكر على أنه مؤشر على أن أولئك المرشحين باتوا على يقين من أن التهديدات بالقتل التي وجهت إليهم ليست مجرد أقوال بل أن الجهات التي تقف وراءها جادة في تنفيذها بعد أن تعرض عدد من الناشطين في المدن ذات الأغلبية الشيعية للتصفية الجسدية أمام المارة من غير أن تتمكن المؤسسة الأمنية من القبض على الجناة أو حتى ملاحقتهم قضائياً.
 
وإذا ما كان رئيس الوزراء يؤكد في كل مرة تقوم فيها الميليشيات باستعراض قوة يُراد منه تحدي القوات الأمنية على أن الحكومة ستكون قادرة على الإشراف على إجراء الانتخابات وإدارتها بطريقة نزيهة وشفافة متجاوزة عقبات الترهيب والتهديد واستعراضات القوة، فإن ذلك التأكيد لا يحظى بثقة الناشطين السلميين الذين صارت اسماؤهم مدرجة على قوائم القتل.
 
وقد يكمن التحدي الأكبر في ما يمكن أن يشكله عزوف الشخصيات الممثلة للحراك الشعبي عن الترشح للانتخابات ومن ثم انتخابهم من عائق أمام رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي للحصول على ولاية ثانية وهو ما يعني وقوع انتكاسة كبيرة لآمال الإصلاح التي تشكل عامل تهدئة حتى وإن لم تجد طريقها العملي للتنفيذ، وهو ما يعني أن نتائج الانتخابات إذا ما حُسمت لصالح الأحزاب المهيمنة الآن ستحمل معها نتائج سلبية يمكن أن تكون الفوضى الشاملة وجهها الأكثر تأثيراً على مستقبل العراق.
 
لهذين السببين، الخاص والعام يسعى الكاظمي إلى تهدئة مخاوف الأحزاب وإن بطريقة مخاتلة وصامتة في محاولة منه لاقناعها بالقبول بتسوية تقوم على معادلة المشاركة التي تستثني الميليشيات ذات السجل الإجرامي المتعلق بقضايا القتل والاختطاف والتهديد. فهل ستنجح تلك الصيغة في إخراج الأحزاب من عنق الزجاجة وإعادة تأهيلها في إطار وطني؟
 
تلك شبهة جديدة تضاف إلى سلسلة الشبهات التي تطارد الكاظمي كونه الرجل الغامض الذي لا يحظى بثقة الأحزاب لا لأنه غير حزبي وحسب بل وأيضاً لأنه يحظى بدعم أميركي. أما بالنسبة إلى المطالبين بالإصلاح فيُنظر إليه من جهة كونه جزءاً من العملية السياسية الفاشلة التي أُقيمت على أساس تسوية أميركية ــ إيرانية مهتزة وغير واضحة.
 
فهل هناك وسيلة لفض الاشتباك من غير أن تقع خسائر بشرية قد تؤدي إلى نسف العملية الانتخابية أو اعادة انتاج النظام الحزبي والطائفي من خلال تزوير الانتخابات؟
هنا ينبغي الاعتراف إذا ما تعلق الأمر بالآليات الديموقراطية واعتمادها في شكل أساس على عدد الأصوات، فإن التيار السياسي الذي يقوده رجل الدين مقتدى الصدر لا يزال يمثل الرقم الصعب في المعادلة. غير أن البعد الشعبي لذلك التيار لا ينفي كونه لا يميل إلى تفوق التيارات السياسية المدنية على الأحزاب بالرغم من أنه وضع ثقته في إمكان أن يفوز رئيس الوزراء الحالي بولاية ثانية.
وهو ما يمكن أن يصب في مصلحة النظام مع وقوع تعديلات شكلية.
 
ذلك حل يدخل في مجال الممكن في ظل استمرار الهيمنة الإيرانية، أما إذا أصرت الأحزاب على أن تنفرد بالحل من غير المساس بامتيازات التيار الصدري، فإنها ستستمر في ترهيب خصومها إلى أن تخلي الساحة منهم مع اقتراب موعد الانتخابات.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم