إعلان

الانقلاب على وثيقة الاستقلال الفلسطيني

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الحوار الفلسطيني في القاهرة
الحوار الفلسطيني في القاهرة
A+ A-
الحبل الوحيد الذي يمكن أن تتسلق عليه الفصائل الفلسطينية الـ12 التي وقّعت على البيان الختامي و"ميثاق الشرف" في القاهرة هذا الأسبوع، هو "مشروع القائمة المشتركة". نوع من سلّم نجاة تم اكتشافه خلال الفوضى التي حدثت بعد اكتشاف الحريق، ستصعد الفصائل بهمة الناجي بالصدفة على كتفي الفصيلين الكبيرين، "فتح" و"حماس"، والذي يحيل بنوع من الكوميديا السوداء الى "قائمة الوحدة الوطنية" المعمول بها الى اليوم في المنظمات الشعبية، النقابات والاتحادات القطاعية في منظمة التحرير، والذي تكرّس خلال عقد السبعينات من القرن الماضي.
 
"القائمة" المتدحرجة التي شكلت عبر عقود طويلة نواة تفرعت منها شبكة من الطرق الالتفافية، كانت مهمتها تغطية عملية إقصاء نشطة ومعقدة ومتفق عليها، لكل محاولة للتغيير أو التجديد في جسد منظمة التحرير والبنية السياسية الفلسطينية، المجلس الوطني والمنظمات الشعبية ودوائر المنظمة وهياكلها. والتي تتجدد الآن وتأخذ شكلاً دراماتيكياً عبر طرح فكرة "القائمة المشتركة".
 
 في تفسير "قائمة الوحدة الوطنية" بشكلها البسيط، يتم احتساب حصة "النصف+ 1" لحركة "فتح" في أي "انتخابات"، وهذا يشمل رئيس القائمة الصوت المرجح في حالة التعادل، ويجري إلقاء "النصف –1" لبقية الفصائل. تسمح القائمة بوجود مستقلين على أن يجري توزيعهم بالنسبة نفسها تقريباً، تقوم الفصائل بتسميتهم، ما يسمح بوجود موالين خارج الإطار التنظيمي، عادة ما يكون هؤلاء "المستقلون" أكثر ولاءً من الأعضاء المفروغ منهم، لأسباب تتعلق بالحاجة الى إثبات الولاء خارج حصانة العضوية.
 
تضمن هذه الصيغة أيضاً حصول الفصيل على ممثلين "منتخبين" بغض النظر عن حضوره أو دوره أو مساهمته في القطاع المقصود، حصة مقطوعة، بينما يتم إلقاء بقية القطاع خارج الصيغة بعد تجريده من الصفتين، الحرص على الوحدة ووطنيتها.
 
الفكرة موجودة في النظام ومجربة في أكثر من "أزمة"، وقد استخدمت لأكثر من ثلاثة عقود بنجاعة، ربما ظهرت في بداية تطبيقها بعض الاعتراضات من بعض الفصائل التي كانت تطالب بحصة أكبر، ولكن هذه الاعتراضات واصلت خفوتها مع انحسار دور الفصائل وتراكم مصالح شخصية لممثليها، الذين نادراً ما كان يتم تغييرهم، بحيث يمكن الحديث عن خلود بعض الأسماء التي كانت دوائر الأمن ومكتب "الأمين العام" تكرر ضخّها مع كل دورة انتخابات.
 
"القائمة المشتركة" بين "حماس" و"فتح" المطروحة كفكرة مسربة خلال "الحوار الوطني" ليست بعيدة عن هذه النواة، هي تجسيد متطور لـ"قائمة الوحدة الوطنية"، وفكرة تفريغ "الانتخابات"، أي انتخابات، من محتواها الديموقراطي، والتحايل على رغبة الناس بالتغيير، ووضع "الوحدة الوطنية" بحمولاتها في تناقض مع أي رغبة "بالتغيير" وفي مواجهة معها.
 
في الجولة الثانية من "لحوار الوطني" في القاهرة، السادس عشر من مارس (آذار) 2021، اعترفت الفصائل، بما فيها "فتح" بشرعية انقلاب "حماس" 2007، استغرق الأمر نحو 14 عاماً وأزمة قيادة وانقطاع طويل عن الشعب واقتسام المقسم من البلاد، تكرّس خلالها الانقسام وولد جيل كامل تحت مظلته.
 
خلال الجولة الثانية وفي ضواحيها، رسخت "حماس" حضورها السياسي في الواقع الفلسطيني، بعدما قدمت نموذجاً، حرصت على إعلانه، في انتخاباتها الداخلية، ديموقراطية تنظيمية تتناقض مع سلوك التنظيم مع من هو خارج إطاره، إذ تتبخر هذه الديموقراطية بمجرد ملامسة الهواء خارج حدود التنظيم، ديموقراطية الحزب الحاكم في اختيار من يحكم الشعب. 
ولكنها استطاعت (حماس)، خلق المقارنة في وعي الناس عشية انتخابات عامة، مقارنة بالفوضى والتعسف اللذين يحدثان في "فتح" وقرارات الفصل والإقصاء، ومع الخلود الذي يعيش فيه زعماء الفصائل الديموقراطيون الاثنا عشر.
نجحت "حماس" في الاستيلاء على منطقة الوسط في المشهد الفلسطيني.
البيان الختامي وملاحقه التي تعكس خطاب "حماس" وقاموسها، تحديداً ما يتعلق بقضايا الانتخابات تعزز هذه الحقيقة.
 كان انقلاباً محزناً على مضمون "وثيقة إعلان الاستقلال" ونصها، آخر معاقل منظمة التحرير ومرجعيتها.
لقد تم إلقاء وثيقة الاستقلال التي كانت محصلة لتراكم المنجز الفلسطيني الثقافي وتعبيراته السياسية من النافذة. 
 
الوثيقة التى صاغتها نخبة من المثقفين الفلسطينيين، في مقدمتهم إدوارد سعيد ومحمود درويش، بهدف تحصين الجوهري في الثقافة الفلسطينية، عبر النص والصياغات المدهشة، برغم التعديلات التي وضعتها القيادة السياسية، تعديلات في التعبيرات السياسية غالباً، هذه الوثيقة تم الدوس عليها من دون رأفة في "الحوار الوطني".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم