إعلان

البحث عن "فتح" قبل الانتخابات

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
رايات "فتح"
رايات "فتح"
A+ A-
الحمولات التي عادت بها وفود اجتماع القاهرة الفلسطيني تبدو مثل أثاث بيت الجدة الذي أعيد ترميمه؛ غرفة الجلوس بمقاعدها التي حصلت على بطانة جديدة، خوان الزينة بخشبه الغامق في المدخل وطقم فناجين الشاي ذو الرسومات الصينية، أثاث مستنفد ومكشوف تماماً للذاكرة والأصابع.
 
"صندوق انهاء الانقسام" الذي يذكر بصناديق العرائس المحمولة على خيول مستعارة للمناسبة، هذا يشمل الصورة الكلاسيكية لصف طويل من "القادة" المبتهجين وهم يشبكون أيديهم ويرفعونها عالياً مثل أقواس زينة، الأشخاص انفسهم  تقريباً، في كل الصور، مع تبدلات لها علاقة بمرور الزمن وقلة النوم. كل هذا لم يكن مهماً.
 
النص الطويل المتراكم لاتفاقيات ومصالحات لا نهاية لها، لم ينظر اليه بجدية.
الديباجة المتناسخة كمقدمات تربوية لجمهور غير مكترث، تُركت جانباً.
الصور التي يمكن تتبع شخوصها وتبدل أحوالهم ومراحلهم العمرية الثلاث، عبر خمسة عقود في المعدل، بحيث يبدو الأرشيف الوطني الفلسطيني أقرب الى ألبوم لفرقة كشافة عائلية سعيدة، معاداً ومستنفداً على نحو محزن، أيضاً لم يحفل بها أحد خارج الفرقة.
 
 تشبث الفلسطينيون ببند "الانتخابات" مثل حافة أخيرة قبل الهاوية، الورقة الوحيدة التي اتفق حولها المجتمعون، على مضض ولأسباب خارجة تماماً عن إرادتهم وعن رغبتهم. ولكنها البند الوحيد الذي رآه الناس وتجمعوا حوله والتقطوه من الحطام المتجدد الذي يلقيه "الحوار الوطني" على رؤوسهم كل مرة. تمسكوا بالفكرة رغم الشكوك الكثيفة التي تحيط بها، شكوك حول التزام الموقعين عليها إجراءها، وشكوك بمدى التزامهم نتائجها في ما لو جرت فعلاً، وشكوك في نزاهتها في ما لو حدث وجرت، شكوك في استكمال حلقاتها الثلاث؛ تشريعية، رئاسية ومجلس وطني.
 
يدرك الشارع الفلسطيني أن "الانقسام" ما زال قائماً، وأن الأمر كالعادة محاولة تعويم للكارثة من دون التقدم في أسبابها أو تأمل نتائجها، وأنه، الانقسام، استطاع أن يذهب عميقاً في النسيج السياسي والاجتماعي للفلسطينيين وأنه جزء من واقعهم. يدركون حجم الضرر الذي ألحقه بحياتهم وخططهم الصغيرة للبقاء والتحرك، يدركون أنه تحول، بالنسبة الى صنّاعه ومدبريه ورعاته، الى ثقافة ومنظومة من السلوكيات والمصالح تمثلها شرائح متنفذة ربطت وجودها ونفوذها ببقائه، وستدافع بقوة عن هذه المصالح وأنها قادرة على ذلك.
لذلك يتمسك، الناس، بـ"الانتخابات" وسيلة وحيدة يمكن خلالها التأثير في الواقع الذي يتفكك حولهم ويتحول الى مستقبل غامض بلا نوافذ.
 
بند "الانتخابات" وصل الى بنية الفصائل وقواعدها، هناك في القواعد المهجورة للفصائل، التي ما زالت على تماس مع بيئاتها الاجتماعية، يدركون حجم الثغرة واتساعها، بين الواقع ومخيلة الزعامة، بين رغبة الناس بالتغيير وبين إصرار القيادة على البقاء.
 
تتشكل رغبة التغيير مثل سباق تتابع يتجمع من منعطفات كثيرة؛ رغبة الأغلبية في تغيير النهج والوجوه والخطاب، رغبة الجزء المسيس من الشارع في تغيير هيمنة الفصائل والأحزاب والقبائل السياسية واستبدال برامج يمكن تتبعها على الأرض وليس في اللغة بها، رغبة قواعد الفصائل في تغيير أبدية قياداتها وفتح ممرات لأجيال جديدة نحو مفاصل العمل، رغبة شريحة من القيادة في استعادة ثقة الشارع والمحيط، وفتح الأطر التنظيمية على فضاء القوى المجتمعية وقوى المجتمع المدني، عبر تغيير وظيفة القيادة ورؤيتها واستفرادها بالقرارات وعبثها بالقوانين، قيادة استبدلت بالكفاءة الولاء وبالاستراتيجية الارتجال، ورد الفعل بالتخطيط، وفقدت قدرتها على قراءة المتغيرات في المحيط السياسي وفي الواقع الشعبي، وتحصنت في جزيرة أثثتها بمدائح الذات.
 
من هنا، يمكن الدخول الى الجدل الجاري في أوساط حركة "فتح"، وهو المظهر الأكثر أهمية، حوار ينطلق من استنتاج عميق لضرورة النهوض بالحركة الأهم في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ومنحها القدرة والأسباب على قيادة شعبها وتجديد شراكتها له، الأمر ليس صراعاً بين أشخاص بقدر ما يعبر عن توجهات واجتهادات ورؤى، ليس صراعاً بين ناصر القدوة ومروان البرغوثي من جهة، وبين "فتح الرسمية" من جهة ثانية، هو بالضبط مواجهة عميقة تراكمت منذ عقود بين ضرورة التغيير واستعادة روح الحركة ووحدتها وحيويتها الوطنية، وبين الجمود السعيد الذي تغرق فيه القيادة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم