إعلان

هل تتحول مالي إلى أفغانستان فرنسية؟

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
جنود فرنسيون في مالي
جنود فرنسيون في مالي
A+ A-
هل تواجه فرنسا احتمال تحوّل مالي إلى ما تحولت إليه أفغانستان أو العراق بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟
 
سؤالٌ ملحٌ تفرضه إطالة أمد العملية العسكرية "برخان" وتزايد الخسائر في صفوف الجيش الفرنسي في المنطقة التي باتت تعرف بـ"المثلث الحدودي" بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الذي يعج بتنظيمات جهادية شتى، يتوزع ولاؤها ما بين تنظيم "القاعدة" وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بينما تنظيمات أخرى لا تحمل أجندة جهادية عالمية، وإنما ترتدي طابعاً محلياً وتحمل لواء مطالب اجتماعية وسياسية.
 
بعد ثمانية أعوام على إنطلاقتها باسم "سرفال"، تواجه عملية "برخان" اليوم، تساؤلات فعلية عن مدى فعاليتها في وقف المد الجهادي في دول الساحل الخمس، وهي مالي والنيجر وبوركينا فاسو والتشاد وموريتانيا، وهل حققت العملية الغرض الذي أنشئت من أجله؟
 
على مدى يومين، انعقدت في نجامينا مطلع الأسبوع الجاري قمة افتراضية بمشاركة فرنسا. والموضوع الأساسي للقمة كان البحث في مآلات عملية "برخان"، بعدما سرت تكهنات كثيرة حول اعتزام فرنسا إجراء خفض في عديد القوات الفرنسية.
 
ولعل المعضلة التي تواجهها فرنسا وحلفاؤها من دول الساحل، تكمن في الولوج إلى نقاش جدي، حول ما إذا كان من المجدي المضي في المسار العسكري وحده حتى النهاية، أم أن ثمة فرصة متاحة لإقامة حوار مع بعض المجموعات التي تحمل أجندات مطلبية تتعلق بالأوضاع المعيشية، أكثر مما تتعلق بمطالب محض دينية؟ وهل تتطلب مكافحة الجهاديين تعديلاً في المواجهة، يرتب أكلافاً جديدة على دول المنطقة، أم أن الوضع يتطلب مقاربة إقليمية ودولية أوسع تتطلب إشراك القيادة الأميركية - الأفريقية "أفريكوم" في العمليات العسكرية، أو الاستعانة بقوة الأمم المتحدة المنتشرة في شمال مالي "مينوسما"، والتي تعد 13 ألف رجل ومهمتها الأساسية الإشراف على اتفاق السلام الموقع بين السلطات المالية والمتمردين عام 2012 في شمال البلاد، غير الخاضع إلا إسمياً للحكومة المركزية.
 
وحتى لو ساهمت أطراف أخرى في عملية "برخان"، فإن العبء الأساسي للعملية سيبقى ملقىً على عاتق فرنسا، التي يواجه رئيسها إيمانويل ماكرون مزيداً من الصعوبات في تبرير استمرار الجيش الفرنسي في الدور القيادي مع تزايد الخسائر في صفوفه (55 جندياً منذ بدء العملية).
 
ومع ذلك، فإن ماكرون خالف التوقعات في قمة نجامينا، عندما أكد أن القوات الفرنسية مستمرة في القتال "حتى القضاء" على الجهاديين المرتبطين بتنظيم "القاعدة"، وقال بصراحة إنه درس مسألة خفض القوات، لكنه وجد أنه سيكون من "الخطأ" اتخاذ مثل هذا القرار في الوقت الحالي. لكنه لم يقفل الباب أمام خفض "تدريجي" محتمل بعد انقضاء الصيف وبالتشاور "مع حلفائنا". وقد يمهد ذلك لاستراتيجية الخروج من "مستنقع" الساحل.
 
وفي الوقت نفسه لا يبدو الوضع الميداني بالصورة المتفائلة التي حاول أن يرسمها ماكرون، إذ إن المجموعات الجهادية لا سيما "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"كتيبة تحرير ماسينا"، لا يكاد يمر يوم من دون أن تشنا هجوماً في المثلث الحدودي، بينما يشن جهاديون من "حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا" منذ أشهر هجمات أكثر دموية داخل النيجر. ووسعت جماعة "بوكو حرام" نشاطها من شمال نيجيريا إلى النيجر والتشاد والكاميرون. وهناك أيضاً تنظيم "المرابطون" بقيادة مختار بلمختار الذي نشط في ليبيا قبل أن يعود إلى مالي ويوسع عملياته إلى بوركينا فاسو.
 
وأمام ما يشبه المأزق العسكري، برزت دعوات في مالي لخوض حوار مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بزعامة أياد أغ غالي و"كتيبة تحرير ماسينا" بزعامة أمادو كوفا. واستشهد أصحاب هذه الدعوات بالمثال الأفغاني، حيث خاضت واشنطن والحكومة الأفغانية حواراً مع حركة "طالبان" بهدف إرساء السلام في البلاد. لكن باريس رفضت هذه الدعوات، وقالت إن وضع منطقة الساحل مختلف عن الوضع في أفغانستان، وأنه لا مجال للحديث مع هذين التنظيمين المواليين لـ"القاعدة".
 
ولم يستبعد مراقبون أن الجيش المالي الذي نفذ إنقلاباً على الرئيس إبراهيم ابو بكر كيتا الصيف الماضي، يميل إلى الحوار مع بعض التنظيمات الجهادية، ممن لا يحملون أجندة جهاد عالمية.
 
وكان لافتاً تلميح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الذي شارك في قمة نجامينا، إلى أن بلاده لن توسع دورها في منطقة الساحل، حيث تكتفي بعمليات تدريب لجيوش المنطقة من دون المساهمة بقوات قتالية. وأثار ماس فكرة تعزيز الاستثمار في المنطقة، لتكون عاملاً مساعداً في مكافحة الإرهاب، إلى جانب العمليات العسكرية.
 
وعلى رغم تمسك ماكرون بالجانب العسكري في مكافحة التنظيمات الجهادية، في منطقة الساحل، فإن باريس تتجه نحو البحث في استراتيجية الخروج من المنطقة. ومن هذا القبيل يأتي التشجيع الفرنسي لحلفائها الأفارقة بزيادة مساهماتهم القتالية في مكافحة الجهاديين. وربما أتى قرار تشاد بإرسال 1200 جندي إلى "المثلث الحدودي" بالتزامن مع انعقاد قمة نجامينا، ليؤشر إلى بداية مسار جديد على مسرح العمليات، من شأنه خفض المساهمة الفرنسية لاحقاً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم