إعلان

ثورات بأسماء وسياقات مختلفة

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
ثورة بالالوان
ثورة بالالوان
A+ A-
 
شهر شباط (فبراير) هو شهر "الربيع العربي"، وكلما حلت ذكرى انطلاقه، تداعى كثير من الأسئلة حول الأسباب والمآلات، لكن بكل تأكيد لا يشكل ما سُمّي بـ"الربيع العربي" حالة خاصة من الثورات على المستوى الدولي في موجة جديدة، بل يمكن اعتباره دفع حساب مؤجلاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لما عرفه العالم بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، إذ استطاعت كثير من الأنظمة في المنطقة أن تمد في عمرها سنوات.. يبقى أن انتفاضة شعوب المنطقة في الفترة بين كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 2011 كانت، تقريباً، استنساخاً لما عرفته بلدان المعسكر الشرقي عقداً قبل ذلك، فلا هي حسمت مسار الدول والشعوب، ولا هي حافظت على الاستقرار، وحدها القوى الخارجية فتحت لها الأبواب ليزداد نفوذها وتأثيرها في التوازنات الجيواستراتيجية مع بعض الاستثناءات التي عملت فقط على تأكيد القاعدة، لذلك من المفيد الاطلاع على ما سُمّي "الثورات الملوّنة" لامتلاك القدرة على فهم ما جرى في منطقتنا والقدرة على توقع ما ستحمله رياح المستقبل في بيئة دولية متقلبة. 

اتخذت الثورات التي اندلعت في عدد من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية، أسماء مختلفة لا تقل جاذبية عن اسم "الربيع العربي"، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 اندلعت في جمهورية جورجيا ما سُميت "الثورة الوردية"، وقد سُميت بهذا الاسم تخليداً لواقعة دخول زعيم المعارضة ميخائيل ساكاشفيلي قاعة البرلمان مقاطعاً خطاب الرئيس إدوارد شيفرنادزة ملوحاً في وجهه بوردة حمراء ومطالباً إياه بالرحيل عن السلطة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 اندلعت احتجاجات واسعة في أوكرانيا ضد الرئيس فيكتور يانكوفيتش، وعرفت الثورة الأوكرانية بـ"الثورة البرتقالية" نسبة إلى اللون البرتقالي الذي اعتمدته المعارضة في تظاهراتها المليونية بقيادة كل من فيكتور يوشينكو ويوليا تيموشينكا، كما عرفت قيرغيزيا ثورة في آذار (مارس) 2005 سميت "ثورة السوسن" أو "التوليب" ضد الرئيس عسكر باسييف، وقد حُسمت الثورة بانتخاب كرمان بيك بكاييف في تموز (يوليو) من السنة نفسها، وفي نيسان (أبريل) 2009 عرفت مولدافيا ما سُمي بـ"ثورة العنب" احتجاجاً على فوز الشيوعيين بالانتخابات البرلمانية، فجرى تنصيب ميخاي جيمبو رئيساً للبلاد كرمز من رموز ائتلاف التحالف من أجل التكامل الأوروبي. وحده لبنان كان في الموعد سنة 2005 بـ"ثورة الأرز" عقب اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وكان في صدارة المطالب تحرير لبنان من الوجود السوري وإعادة "حزب الله" إلى حجمه الطبيعي كفصيل سياسي من بين فصائل أخرى، وذلك بتحييد سلاحه. 

كل هذه الثورات لم تنصف الثوار، بل أفرزت نتائج عكسية، ففي جورجيا تدنت شعبية سكاشفيلي إلى مستويات غير مسبوقة، وعرفت البلاد في عهده الكثير من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بل إن الرئيس الرمز، تراجع عن الكثير من الشعارات التي حملها خلال الثورة، أما في أوكرانيا فقد انتهت الثورة البرتقالية كما يعرف الجميع بفضائح كبيرة، منها قضايا فساد مالي واستغلال النفوذ، بل إن أيقونة الثورة يوليا تيموشينكا التي شغلت منصب رئيسة الوزراء، انتهت معتقلة في سجون كييف، كما أن الانتخابات الرئاسية التي جرت سنة 2010 أعادت الرئيس المطاح فيكتور يانكوفيتش في سابقة من نوعها بالنسبة الى الثورات في العالم، بينما مُنيت المعارضة البرتقالية بهزيمة نكراء، وفي قيرغيزيا انتهت الثورة بثورة أخرى سُميت "ثورة الوقود" نسبة إلى قرار الحكومة القيرغيزية رفع أسعار الوقود في وقت وصلت فيه البطالة إلى نسبة 40 في المئة، أما في مولدافيا فبقدر ارتماء الرئيس جيمبو في أحضان الاتحاد الأوروبي، بقدر ما تصاعدت موجة من الاحتجاجات قادها الشيوعيون في شوارع العاصمة كيشينوف، أما في لبنان، وبرغم خروج الجيش السوري، فإن "حزب الله" حافظ على موقعه بل تعزز هذا الدور. 

في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، لم تكن الصورة أحسن حالاً، فبعد ثلاث سنوات من الرومانسية الثورية في ساحات تونس والقاهرة وصنعاء وطرابلس ودمشق، وبعد رحيل كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح والعقيد معمر القذافي، طلعت ساعة الحقيقة لتكشف عن واقع صعب، ففي وقت نجحت تونس بعد صعوبات كبيرة عبر نخبها السياسية في إيجاد حلول توافقية لتدبير المرحلة الانتقالية، ولو تطلب تحقيق ذلك الاستنجاد بجيل الحبيب بورقيبة، فإن مصر بعد الحوادث التي أدت إلى إسقاط الرئيس الراحل محمد مرسي، دخلت في نفق لا يبدو أن له مخرجاً بالنظر إلى التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها البلد، أما في ليبيا فقد تحوّلت الميليشيات المسلحة إلى اللاعب الرقم واحد على الساحة، مستغلة الغياب الكلي لمفهوم الدولة على امتداد 40 سنة من حكم العقيد القذافي، بل إن وحدة ليبيا الترابية كانت مهددة جدياً بما يحمله ذلك من مخاطر التجزيء والتقسيم على منطقة الساحل والصحراء برمّتها، وذلك بفعل الصراعات الدولية المباشرة وغير المباشرة في المنطقة، أما في اليمن وسوريا فإن الحرب أعادت عقارب الساعة بهما إلى الوراء وتحولا إلى جحيم حقيقي.

في الموجة الثانية من "الربيع العربي" جرفت مسيرات الشعبين السوداني والجزائري كلاً من عمر البشير وعبد العزيز بوتفليقة، لكن بنية الدولة العميقة في كل من الخرطوم والجزائر ما زالت تقاوم التغيير وتلعب على تناقضات الشارع والمعارضة، مع بقاء الأوضاع فيهما مفتوحة على كل الاحتمالات، وما لم تستطع فعله الدولة العميقة، تكفل به فيروس كورونا الذي حاصر الناس في بيوتهم ونزل بسقف المطالب التي كانت مرفوعة إلى حدودها الدنيا في انتظار تداعيات الوباء في السنوات المقبلة، وهي تداعيات إما أنها ستسرّع دخول عدد من بلدان المنطقة في دوامة عدم الاستقرار، وإما أنها ستفتح مسارات جديدة للشعوب والأنظمة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم