إعلان

التماثيل تسقط والطغاة يأتون بالغزاة... الخاسرون والرابحون في كازاخستان!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
تمثال نزارباييف محطماً على الأرض
تمثال نزارباييف محطماً على الأرض
A+ A-
إنها حالة خيانة وانقلاب برعاية "الخلايا النائمة"، هكذا وصف رئيس كازاخستان قاسم توكاييف إعصار الاحتجاجات في بلاده في الأيام الماضية؛ لكنه اغتنم الفرصة لإقالة كبار مساعديه من المحسوبين على الرجل القوي في البلاد، سلفه نور سلطان نزارباييف، ومنهم سكرتير مجلس الأمن الوطني. اتهمهم بالخيانة العظمى واعتقلهم، أعاد تدخل روسيا الهدوء -ظاهرياً- إلى ربوع البلاد، وسط مباركة الصين، وغضب أميركي - أوروبي، بينما تطارد الاتهامات تركيا بالضلوع في إثارة "ثورة ملونة" في عموم آسيا الوسطى، انطلاقاً من كازاخستان، قلب المنطقة الدافق بالثروات الهائلة، والتي تعاني أزمة هوية حادة ويكافح شعبها أوضاعاً معيشية قاسية. تبدو آسيا الوسطى "برميل بارود" على وشك الانفجار.
 
أجيال غاضبة
عقب إخماد أسوأ اضطرابات دموية تشهدها كازاخستان منذ استقلالها عام 1991، أعلن توكاييف استعادة النظام ووعد بإجراء إصلاح سياسي شامل، من دون أن يطرح برنامج عمل واضحاً للإصلاح، اتهم الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف، بتكوين "طبقة ثرية" مهيمنة، بنات الزعيم السابق وأصهاره وأحفاده، وغيرهم من الأقرباء، يسيطرون على مناصب مهمة للغاية ومصالح اقتصادية في البلاد، بينما بقية السكان يقبعون في مشكلات اقتصادية طاحنة ما فجر الغضب المجتمعي الراهن، وأشار توكاييف إلى تسلل 20 ألفاً من "المقاتلين الإرهابيين" إلى البلاد، من بينهم مسلحون إسلاميون من آسيا الوسطى وأفغانستان والشرق الأوسط، بدعم خارجي وانضمت إليهم ما وصفها بـ"الخلايا النائمة".
 
وجد توكاييف في التظاهرات الجارفة، فرصة لاجتثاث نظام معلمه نزارباييف، لا يريد العيش في معطفه. يقولون: "إن الطغاة يأتون بالغزاة"، ظل نهج نزارباييف مسيطراً على مقاليد كازاخستان. فتح البلاد على مصراعيها للاستثمارات الأميركية والأوروبية، وبنى علاقات اقتصادية مع الصين، وعسكرية مع روسيا، وثقافية مع تركيا، حاول استنساخ مؤسسات سياسية على النمط الغربي، ليست أكثر من ديكورات مظهرية فارغة، ديموقراطية صورية تكرس حكماً فردياً سلطوياً استبدادياً، أوجد ذلك وضعاً مشوهاً، وأغلق النظام المجال السياسي، وطارد المعارضة بلا شفقة، اعتقد النظام الحاكم أن وجود رفاهية اقتصادية سيشكل بديلاً من الحريات السياسية، لكن الانفتاح على العالم، بعد الاستقلال والانسلاخ من إهاب الشيوعية السوفياتية، أسهم في تراجع القيم المحافظة، وشيوع الأفكار الوافدة، لا سيما على وسائل التواصل، على أيدي أجيال جديدة متعلمة، غاضبة من الوضع الاقتصادي والسياسي، فتكونت "كتلة حرجة" مستعدة للاحتجاج بعنف، مع أي هزة يتعرض لها النظام.
 
مختار أبليازوف وزير الطاقة الأسبق ورئيس حزب "الخيار الديموقراطي" والمعارض الكازاخي البارز المقيم في باريس، قال إن نظام نزارباييف شارف على نهايته، إنها مسألة وقت، لافتاً إلى رمزية إسقاط المتظاهرين تماثيل نزارباييف، وحض دول الغرب على فرض عقوبات على القيادة الكازاخية، ودعا الكازاخيين إلى الوقوف بوجه القوات الروسية، بوصفه احتلالاً عسكرياً.
 
تأثير الفراشة!
وقد واصلت الولايات المتحدة انتقاداتها للتدخل الروسي في كازاخستان، بلسان الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي أشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى الى إعادة النظام الإقليمي الذي كان موجوداً في زمن الاتحاد السوفياتي. رد عليه بوتين بأن من يتحدث عن استعادة الاتحاد السوفياتي إنسان بلا عقل، معتبراً أن ما حدث في كازاخستان "محاولة انقلاب"، وأن منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم روسيا وأرمينيا وقيرغيزستان وطاجيكستان وبيلاروسيا وكازاخستان، اتخذت إجراءات لمنع تدهور الأوضاع، مؤكداً أن دول المنظمة لن تسمح بـ"ثورات ملونة".
 
وخلال قمة لدول المنظمة عبر الفيديو كونفرانس، شدد الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو على أن قلاقل كازاخستان ناجمة عن تدخلات غربية، وحذر من انتقال الأحداث إلى أوزبكستان، بينما دعا رئيس طاجكستان إمام علي رحمن إلى وقف إيفاد المبعوثين لدراسة العلوم الدينية في البلدان الأجنبية، مذكراً بأنه حذر مراراً من "خلايا نائمة" في بلدان المنظمة؛ داعياً إلى إنشاء حزام أمني حول أفغانستان، لمنع الجماعات الإرهابية من التسلل.
 
قبل أيام، كانت كازاخستان أكثر دول آسيا الوسطى ثراءً واستقراراً، بمواردها الطبيعية الضخمة ومساحتها الشاسعة، وعلاقاتها الجيدة مع الجميع، فجأة اشتعلت الاحتجاجات على خلفية الأزمة الاقتصادية بالتزامن مع جائحة كورونا، والتيبس أو الجمود السياسي؛ حدث انهيار أمني واسع في البلاد، حيث ميناء بايكونور مركز إطلاق الأقمار الاصطناعية إلى الفضاء، لروسيا وبلدان العالم.
 
يخشى الروس وبقية دول الجوار أن تكون بداية لثورات ملونة تجتاح آسيا الوسطى، في قلب المصالح الروسية والصينية وبجوار أفغانستان التي تسيطر عليها "طالبان"؛ وفقاً لنظرية "الدومينو" أو "تأثير الفراشة"، وهو وصف مجازي لمبدأ نظرية الفوضى؛ حدث صغير، كرفرفة الفراشة، قد يثير سلسلة من الأحداث، تصل إلى إعصار على الجانب الآخر من العالم. وفي ظل الصراع الروسي - الغربي المتعاظم حول أوكرانيا، فإن الروس يرون ما يجرى في كازاخستان أيضاً محاولة لشد أطراف موسكو أو وضعها بين فكي كماشة أميركية - أوروبية، بينما تنظر الصين إلى الأمر بريبة، دفعت الرئيس شي جينبينغ نفسه للإشادة بالحملة الأمنية الدامية من جانب الرئيس توكاييف ضد المتظاهرين.
 
ممنوع اللعب!
الصين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لكازاخستان، فهي ضلع مهم في مبادرة الحزام والطريق، ونقطة عبور مفضلة لحركة التجارة والاستثمارات للصين وروسيا بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي وجوارها المباشر مع العملاقين، وأهميتها لدول آسيا الوسطى وتركيا وكذلك لأوروبا وأميركا، بالإضافة إلى روابطها الدينية والثقافية والاقتصادية بالشرق الأوسط.
 
قدر هائل من الحركة، شكل بوتين "الاتحاد الاقتصادي الأورو-آسيوي"، اتفاق للتجارة الحرة يشمل خمسة أعضاء، منهم كازاخستان، أيضاً "منظمة معاهدة الأمن الجماعي"، لمنع الدول السوفياتية السابقة من الانجراف الى المدار الغربي؛ فالرسالة الروسية: اللعب غير مباح في "العمق الاستراتيجي"؛ وعلى عكس السائد، ينظر بوتين بإيجابية إلى الأحداث العاصفة في كازاخستان، فهي تخدم مصالح روسيا الجيوسياسية، توفر لها مقدمات للتخلص من مطامع تراود واشنطن وحلفاءها من دول الناتو، بالذات تركيا التي يرغب رئيسها أردوغان بشكل محموم في استعادة "الإمبراطورية العثمانية". وفقاً للمحلل السياسي الروسي ألكسندر نزاروف الذي أكد أن موسكو تكسب، وواشنطن وأنقرة تخسران في كازاخستان؛ إذ تم إجهاض "الثورة الملونة" التي جرى الإعداد لها من الخارج، حتى في غياب "دليل قاطع" على تورط أميركا وتركيا في الأحداث؛ ما دفع جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض إلى نفي الاتهامات الموجهة الى واشنطن بالتواطؤ في تفاقم الوضع في كازاخستان.
 
 إذن، حققت روسيا نصراً سياسياً مرحلياً، في "جوارها القريب" أو حديقتها الخلفية، لكن تظل الأزمة الكازاخية عصية على نهاية قريبة، إنها أزمة مركبة، أزمة هوية بالدرجة الأولى. قبل عام 1936 لم تكن لكازاخستان هوية قومية واضحة، عندما قرر ستالين ترسيم حدودها بالشكل الحالي، تدفق الروس إليها ضمن الاتحاد السوفياتي، صار عددهم20 في المئة من السكان. بعد الاستقلال، خشي الكازاخيون أن تبتلع روسيا بلادهم؛ فعمدوا إلى بناء هوية وطنية؛ وبالغوا في صنع تاريخ موغل في القدم لكازاخستان، واحتفوا بقادة حركة "باسماتشيستڤا" وفق التسمية الروسية، المشتقة من الكلمة الأوزبكية "باسماتشي"، أي "قطاع الطرق" الذين قاموا بثورة ضد البلاشفة عام 1919، باعتبارهم قادة "تحرر وطني" أو آباء مؤسسين. وخلال الثلاثين عاماً الماضية، تحت حكم نزارباييف، عملت تركيا بنشاط واسع على إثارة الحركات القومية، مع المماثلة بين الإسلام والقومية التركية في بلدان آسيا الوسطى؛ انضمت كازاخستان إلى مجلس الدول الناطقة بالتركية، بيد أن الاحتجاجات الأخيرة وتفاعلاتها الداخلية وامتداداتها الإقليمية والدولية تكشف أن أزمة الهوية في كازاخستان لا تزال عميقة الجذور، تفرض نفسها على صيرورة الدولة حتى اليوم، ومن دون إصلاح سياسي وعقد اجتماعي جديد يكفل الاندماج الوطني للمكونات السكانية والثقافية وتجسير الهوة بين الدخول والطبقات، في إطار مشروع الدولة/الأمة، ستبقى "الأيدي الخارجية" تعبث بجسد كازاخستان، تدفعها للغليان، ما قد يفجر بركاناً في آسيا الوسطى. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم