إعلان

عنوان يختزل المرحلة المقبلة في المنطقة

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
أعلام الثنائي الشيعي في لبنان
أعلام الثنائي الشيعي في لبنان
A+ A-
بغض النظر عن كلّ ما يحدث على الصعيد الإقليمي، أي في لبنان وسوريا والعراق واليمن، يمكن الذهاب بعيداً في تفسير الأسباب التي دفعت بـ"الثنائي الشيعي" في لبنان الى السماح بانعقاد جلسات مجلس الوزراء لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهي حكومة ليس سرّاً أن "حزب الله" وراء تشكيلها.
 
يمكن الذهاب، على سبيل المثال، الى الربط بين ما يدور في لبنان من جهة والتقدّم في المفاوضات غير المباشرة الجارية بين "الجمهوريّة الإسلامية" الإيرانيّة والإدارة الأميركيّة في شأن الملفّ النووي الإيراني. يحتمل أن تفضي هذه المفاوضات الى توقيع اتفاق جديد بين مجموعة الخمس زائداً واحداً وإيران يحلّ مكان الاتفاق الذي وقّع صيف العام 2015 والذي كان هديّة من إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الى "الجمهوريّة الإسلاميّة". استطاعت إيران وقتذاك استغلال كلّ دولار حصلت عليه مكافأة على توقيعها الاتفاق في خدمة مشروعها التوسّعي وميليشياتها المذهبيّة المنتشرة في المنطقة.
 
على الرغم من أنّ "حزب الله"، بصفة كونه لواءً في "الحرس الثوري" الإيراني، لا يستطيع اتخاذ أي قرار من أيّ نوع من دون ضوء أخضر إيراني، وعلى الرغم من أنّه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة داخل "الثنائي الشيعي"، إلّا أن ما لا يمكن تجاهله في نهاية المطاف أنّ هناك عوامل داخليّة لبنانيّة ساهمت في جعل "الثنائي" يتخّذ قراره المتعلّق بتفعيل مجلس الوزراء. في مقدّم هذه العوامل، الوضع الشيعي نفسه. فبعدما راهن "حزب الله" على إفقار لبنان والاستفادة من الانهيار الذي أصاب البلد ومن تهجير اللبنانيين، في مقدّمهم أبناء الطائفة المسيحية، ارتدّت السياسة التي اتبعها عليه.
 
الأكيد أنّ الحزب يفكّر في كيفية مساعدة الحكومة في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي الذي يُعتبر في الظروف الراهنة الجهة الوحيدة المسموح لها بمساعدة لبنان وإن بشروط قاسية. يفعل الحزب ذلك كونه يريد مساعدة نفسه وليس مساعدة لبنان. من هذا المنطلق، كان البيان الصادر عن "الثنائي الشيعي" واضحاً في الربط بين سماح "حزب الله" بعقد جلسة أو أكثر لمجلس الوزراء من جهة و"مناقشة إقرار الموازنة العامة للدولة ومناقشة خطة التعافي الاقتصادي" من جهة أخرى. معروف لدى الجميع أنّ انعقاد مجلس الوزراء وإقرار الإصلاحات هما من شروط صندوق النقد الذي يراقب الوضع اللبناني عن كثب والذي يوجد اخذ وردّ بينه وبين حكومة نجيب ميقاتي.
 
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل هاجس "حزب الله" في ما يتعلّق بتفجير مرفأ بيروت ومنع أي تحقيق جدي يمكن أن يقود الى كشف الحقيقة. حقيقة من أتى بنيترات الأمونيوم الى مرفأ بيروت ومن خزّنها في أحد عنابره طوال سنوات ومن نقل الكميات المطلوب نقلها الى سوريا لتستخدم في البراميل المتفجرة التي يستخدمها النظام في حربه على شعبه. استطاعت الحكومة إيجاد مخرج جمّد عملياً التحقيق القضائي ونشاط القاضي طارق البيطار، أقلّه في المدى المنظور. حفظت الحكومة، ظاهراً، ماء الوجه لـ"الثنائي الشيعي" بعدما كان رئيس الجمهورية ميشال عون سارع منذ اللحظة الأولى لتفجير المرفأ الى قطع الطريق على أيّ تحقيق دولي!
 
من الواضح انّ تحسناً نسبياً يمكن أن يطرأ على الوضع اللبناني. لكنّ مثل هذا التحسّن سيبقى موقتاً وهشّاً نظراً الى أنّه مبني على افتراضات تقوم على أنّ طهران أفرجت عن جلسات مجلس الوزراء بناءً على حسابات خاصة بها. تبدو هذه الحسابات مرتبطة نظريّاً بتراجع مشروعها التوسّعي إقليمياً، خصوصاً في العراق واليمن، وحاجتها الى إظهار تغيير في سلوكها خارج حدودها في مرحلة قد تشهد التوصل الى اتفاق في شأن ملفّها النووي. لكنّ من بين هذه الحسابات أيضاً، اضطرار "الجمهوريّة الإسلاميّة" الى أن تأخذ في الاعتبار سلوك "حزب اللّه" في لبنان ووضعه. يأتي ذلك في وقت يحتاج فيه الحزب، الذي لم تعد شعاراته تنطلي على قسم كبير من الشيعة، الى استعادة ثقة جزء من بيئته الحاضنة التي باتت تعاني بدورها من الانهيار اللبناني الشامل، مثلها مثل بقية اللبنانيين من كلّ الطوائف والمناطق.
 
ستكشف الأسابيع المقبلة مدى جدّية إيران في مجال تغيير سلوكها خارج حدودها. هل القضيّة قضيّة تمرير وقت فقط، أي قضيّة مرتبطة بإقناع الإدارة الأميركيّة بأن "الجمهوريّة الإسلاميّة" جدّية في التوصل الى اتفاق يتعلّق ببرنامجها النووي ... أم هناك ما هو أبعد من ذلك. المقصود، بما هو أبعد من ذلك، إقتناع إيران أنّ لا أفق، من أي نوع، لمشروعها التوسعي القائم على نشر الميليشيات التابعة لها في المنطقة واستنفار الغرائز المذهبيّة من جهة، وأنّ لا مجال للتوصل الى اتفاق مع مجموعة الخمس زائداً واحداً، التي تضمّ أميركا، من دون استيعاب لمعادلة مبنيّة على التصالح مع المنطق من جهة أخرى.
 
يقول المنطق إن إيران تستطيع أن تخرّب وتدمّر خارج حدودها وداخلها، لكنّها لا تستطيع أن تبني. الدليل على ذلك الاهتراء الاقتصادي في "الجمهوريّة الإسلاميّة" نفسها وما يعاني منه العراق وسوريا ولبنان واليمن في ظلّ ممارسات الميليشيات التابعة لـ"الحرس الثوري". هل يستطيع نظام الملالي في إيران التصالح مع المنطق؟ مثل هذا السؤال سيكون العنوان الذي يختزل المرحلة المقبلة في المنطقة كلّها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم