إعلان

في ذكرى الرّبيع العربي!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
من تظاهرات الرئيس العربي
من تظاهرات الرئيس العربي
A+ A-
أتت ذكرى الربيع العربي وهناك احتجاجات مستمرة في تونس ضد "الإخوان المسلمين" والأوضاع التي آلت اليها البلاد، ويحتفل الثوريون بالذكرى بينما محكمة مصرية تقضي بمصادرة أموال قادة الإخوان ورموز ذلك التنظيم الإرهابي واعتبارها من أموال الدولة، وتنهمر دموع المتباكين على ثورات فشلت وتدخلات أفضت الى إبعاد الإخوان عن الحكم في أكبر دولة عربية، فيما ينتظر المصريون احتفالات، تعطلت بفعل جائحة كورونا، لافتتاح عاصمة جديدة ومشروع المتحف المصري الكبير الذي غيّر أوجه الحياة في محافظة الجيزة، إضافة الى عشرات المشاريع الأخرى.
 
لكن المؤكد أن حدثاً بوزن ذكرى عواصف الربيع العربي وكوارثه يستحق الاهتمام، فالعالم تغيّر والواقع تبدّل والمستقبل تشكّل بفعل الفوضي التي صارت ثقافة، لكن الملاحظة الأكثر بروزاً في العالم العربي عموماً ومصر خصوصاً، أن المناسبة كانت فرصة لأن يخضع الحدث نفسه للتقويم، إلا أن كثافة الحديث أتت من هؤلاء الذين طفوا على سطح الحوادث مع كل ضربة حملها ذلك الربيع الى قلب كل مجتمع عربي مع هبوب رياح الربيع العربي، ومعهم من تسلحوا بالثورية وتاجروا بمعاناة الناس، فكانت الفرصة سانحة لكل هؤلاء الذين دائماً ما يصطادون في كل ماء عكر ويقفزون من مستنقع عربي إلى آخر أوروبي ومن كارثة أفريقية إلى مصيبة آسيوية، ثم يسأل الناس بعد ذلك عن أسباب انتشار الجهل والكره والتطرف والإرهاب!!
 
عموماً انشغلت الفضائيات ومحللو النخبة والخبراء الاستراتيجيون، الذين هم أكثر من الهم على القلب في الوطن العربي عموماً ومصر خصوصاً، بالبحث في أسباب الربيع العربي  والنتائج التي أفضى إليها. اللافت هنا أن أصحابنا فسّروا وحللوا ونظرّوا باعتبار أنهم يمتلكون الحقيقة وكأنهم يمارسون الدور نفسه الذي اختاره كل واحد منهم لنفسه منذ تلك الفوضى وذلك العنف وهذا الاهتراء الذي ما زالت مجتمعات عربية تعانيه وتدفع ثمن السقوط فيه، وذلك المناخ الذي أفسح المجال واسعاً أمام هؤلاء كي يصيبوا المواطن العربي بشظايا آرائهم وتفسيراتهم وتحليلاتهم وربما تحريضهم. المهم أن تحليلات النخبة الانتهازية المهترئة التي كانت أحد أهم أسباب الارتباك الذي ساد مصر بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وآراء رموز تنظيم الإخوان أو الجماعات الأخرى التي يمتطيها ذلك التنظيم صبّت غالباً في اتجاه إصابة الناس بمزيد من الكآبة، بتخويفهم بأن الربيع لم ينته بعد، وبأن رياحاً أخرى في الطريق،  خصوصاً بعد أن يتمّ تنصيب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، حيث ستتماهى سياساته مع تنظيم الإخوان المتطرف الذي تسلل وتسرطن وانتشر بين ثنايا الديموقراطيين وصار له نفوذه وقوته في الولايات المتحدة. ولأن الإخوان لا يفوّتون فرصة إلا وسعوا إلى انتهازها عبر إعلامهم وقنواتهم ومواقعهم الإلكترونية، فإنهم استغلوا ذكرى الحدث المهم وجمعوا كل ما يدعو المواطن المصري الى التشاؤم وروّجوه، وزادوا عليه بالطبع بعض البهارات، لتكون الطبخة أكثر سخونة، بزعم أن الشعب المصري تخلى عن الإخوان وساند الانقلاب الذي يترنح!! حتى أن بعض الكتابات ذهبت إلى أن السيسي وراء ما جرى في مصر من أزمات!! وأنه لولا السيسي لكانت رفاهية المصريين مسألة مضمونة ومنتهية!! في المقابل، ظهرت التحليلات الوردية وكذلك بالطبع الآراء المبنية على الشماتة والتفسيرات المتفائلة التي رأى أصحابها أن مصر في عهد السيسي، أو قل ما بعد الإخوان، ستكون أكثر عرضة لكوارث ستحل بها بسبب إصرار السيسي على تطوير الاقتصاد والقضاء على العشوايات والإكثار من المشاريع!!
 
بطبيعة الحال لم يمرّ موسم التحليلات والنظريات من دون غمز بقصة جزيرتي صنافير وتيران، ولمز في مسألة الانصياع لإرادة الشعب حتى لو كان اختياره سلبياً أو مدمراً، وكأن أصحاب تلك النظرية يشيرون إلى أن الشعب المصري كان عليه أن يتحمّل تصرفات محمد مرسي وأخطاء الإخوان وفشلهم في الحكم وضياع البلد ما دام مرسي قد أتى بانتخابات حرة، معبّرة عن رأي غالبية المصريين!! 
 
إضافة إلى تغليب الموقف السياسي لنخبة المحللين، فإن غالبيتهم، وخصوصاً الاستراتيجيين منهم، سارعوا بالتنظير ثم قرءاة مستقبل المنطقة العربية عموماً ومصر خصوصاً من دون أن يُلمّوا بالمعلومات البسيطة الأولية أو حتى قراءة صحيحة للواقع الذي يعيشه المصريون الآن. وبرغم أن واقع الأمور يشير الى قطاعات واسعة من المصريين يشيدون بالسياسات الجريئة التي يسير عليها الحكم ونجحت في تحقيق تنمية في كل المجالات حوّلت واقعهم الي تحقيق تسهيلات في الحياة وتعظيم في قيمة المواطن، إلا أن ذلك لم يمنع بقايا الربيع العربي وفلوله من قراءة الموقف وتفسيره وتوقع سيناريوهاته المقبلة، وفقاً لأهداف وضعتها أجهزة استخبارات غربية وجماعات وتنظيمات إرهابية، وتلك عاداتهم التي مارسوها وبمنتهى اللذة منذ عام 2011 الذي فتح لهم أبواب التحليل والتنظير على مصاريعها، فما بالك إذا كانت في الأفق مكاسب ينتظر المواطن المصري أن يجنيها؟ إنه كتالوغ جاهز يملكونه ويطبقونه على كل حدث مهما اختلفت أسبابه أو معطياته أو ظروفه أو الأجواء المحيطة به، فقط يتم استغلاله والمتاجرة به والاستفادة من ورائه، فإذا كان الربيع العربي سبباً في ظهورهم فلماذا لا تكون ذكراه سبباً في انتشارهم مجدداً؟ هناك منهم من يبكي ضياع فرصة الاستفادة من سقوط الاتحاد السوفياتي، أو هزيمة الدولة الاسلامية في أفغانستان!
.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم