إعلان

من جورج حبش إلى حنان عشراوي... أو عندما تسقط الأقنعة

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
جورج حبش
جورج حبش
A+ A-
 
ربما قد يكون جورج حبش مستحقاً للاحترام أكثر، لأنه على الأقل عبّر عن موقفه من المغرب ووحدته الترابية بوضوح لا لبس فيه، وجعل من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" عدواً للشعب المغربي ولمصالحه الوطنية، كما أنه كان واضحاً في رؤيته لحل القضية الفلسطينية وبخاصة مسألة السلام، لكن أن تخرج سيدة، كان يُنظر إليها على أنها واحدة من حكماء منظمة التحرير وحركة "فتح"، لتصف المغرب بالبلد المحتل وتبني مقارنة بينه وبين إسرائيل، فهذا معناه أننا أمام شكل وقح من التقية التي انكشفت اليوم انكشافاً فاضحاً.

حنان عشراوي التي جلست الى طاولة واحدة مع الإسرائيليين تبحث عن السلام، وطاردت ذلك من موائد مدريد إلى مختلف الموائد الأخرى، كيف يمكن لها أن تتجاوز كل الحدود في معرض تعليقها على قرارات مغربية كانت واضحة منذ البداية أنها لا تستهدف مقايضة وحدة المغرب الترابية بعدالة القضية الفلسطينية؟

يجب التذكير في سياق هذا الحديث، أن المغرب أضاع أجزاء واسعة من ترابه الوطني، بحسن نية تقترب من السذاجة، يكفي أن المغرب هو البلد الوحيد الذي كان دولة قائمة لقرون وله سيادة على مساحة واسعة في شمال غربي أفريقيا بشواهد التاريخ والأرشيف الاستعماري، والذي خرج فاقداً أراضيه بعد الاستقلال الجزئي، بينما دولة لم تكن موجودة وكانت مجرد امتداد للدولة العثمانية في المغرب الأوسط، ستصبح أكبر دولة مساحة في أفريقيا، ببساطة لأنها كانت مقاطعة فرنسية، وكانت فرنسا تخطط للاحتفاظ بها إلى الأبد، لذلك اقتطعت لها أراضي من المغرب وتونس وليبيا ومالي... لذلك ظل النظام في الجزائر متحمساً لشعار الحدود الموروثة عن الاستعمار، ببساطة لأنه المستفيد الوحيد منها.

على كل حال، عداء النظام الجزائري سافر وليس فيه جديد، المثير هو أن يلبس هذا الموقف مَن مِن المفترض أنهم ضحايا للاحتلال، علماً أنهم لم يقدموا يوماً موقفاً مسانداً للوحدة الترابية للمغرب، فالفلسطينيون - أتحدث هنا عن السلطة والتنظيمات السياسية من داخل منظمة التحرير ومن خارجها - اعتقدوا أنهم نجحوا دائماً في خداع المغرب بعبارات فضفاضة، فغالباً كان ما يقال في الجزائر يناقض ما يقال في الرباط، لكن في الواقع كان المغرب يتعامل مع وضعهم بمنطق "اللهم ارحم ضعفنا" ولم يكن يلح رفقاً بهم ممن يريدون توظيفهم في معاركهم التي بلا معنى، اليوم تحدثت حنان عشراوي بكل استفزاز ورعونة وهي تصف المغرب بالبلد المحتل، ما يستوجب تذكير من يحتاج إلى تذكير، بكون مثل هذا الخطاب الذي تحدثت به عشراوي، هو سلوك متجذر في منظمة التحرير الفلسطينية التي تلوّنت بين المواقف في سياقات مختلفة من الأردن إلى الكويت مروراً بلبنان والمغرب، وما خفي كان أعظم...، ظهر ذلك عبر محطات عديدة نذكر منها ما يأتي:

أولاً: سنة 1979 خاطب جورج حبش عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المحتجزين في مخيمات تيندوف بالجزائر (... ) قائلاً: "إننا كفلسيطينيين نناضل معكم في خندق واحد ضد أعداء الثورة الفلسطينية ونساند نضالكم ضد النظام الرجعي في المغرب الذي يحتل أرضكم...".

ثانياً: في الأردن تغوّلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى درجة بدأت تُنازع النظام  الأردني على شرعيته وذلك بقوة السلاح، هذا الأمر سيدفع الملك حسين إلى خوض معركة كسر عظم مع ياسر عرفات في ما عُرف بأحداث أيلول الأسود سنة 1970، وقد حسم الملك حسين الأمر عسكرياً ليخرج بعدها مقاتلو منظمة التحرير إلى لبنان.

ثالثاً: وجود الفدائيين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني، شكل مبرراً لإسرائيل لشن عدوانها على لبنان ودخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت سنة 1982 بحجة أن الدولة اللبنانية، التي كانت غارقة في الحرب الأهلية، لا تملك سيطرة على المقاتلين الفلسطينيين، فمنظمة التحرير الفلسطينية كررت في لبنان ما قامت به في الأردن أي "دولة داخل الدولة"، وفرضت نفسها بقوة السلاح على باقي الأطراف اللبنانيين إلى أن فرض على المنظمة مغادرة لبنان إلى تونس.

رابعاً: عام 1987 سيستقبل عرفات زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية محمد عبد العزيز ويرحب به ضمن أشغال المجلس الوطني الفلسطيني الذي كان ينعقد ساعتها في الجزائر(... ).

خامساً: في نهاية 2016 وبداية 2017 رُفعت السرية عن وثائق بريطانية في الأرشيف الوطني، كشفت أن ياسر عرفات قال لوزير الخارجية فرانسيسكو فرنانديز أوردونيز في لقاء في الجزائر(... ) "إن إحدى وسائل حفظ ماء الوجه المحتملة لصدام حسين هي أن يربط سياسياً بين الانسحاب العراقي والمشكلة الفلسطينية، مثلاً من خلال موافقته على عقد مؤتمر دولي ينظر في المسألتين"، هكذا قايض عرفات تحرير الكويت التي احتضنته في بدايته واحتضنت معه آلاف الفلسطينيين بحل المشكلة الفلسطينية من دون أن يكون للكويتيين أي ذنب فيها.

هذه بعض السوابق المؤلمة لمواقف القيادات الفلسطينية وسلوكياتها، سردها هنا ليس بمعنى المس بعدالة القضية الفلسطينية، لكن حتى يعرف كل واحد حجمه الحقيقي وطهرانيته المفترضة، وأن كونه فلسطينياً لا يعطيه الحق مطلقاً في توزيع تهم الخيانة والاحتلال أو تقديم دروس في الشرف والوطنية.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم