إعلان

الجزائر والصحراء... وفنّ أن تعرف كيف تخسر

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
جدار الصحراء المغربي
جدار الصحراء المغربي
A+ A-
 أن تعرف كيف تخسر في السياسة والحرب أهمّ بكثير من أن تعرف كيف تربح. هذه موهبة في حدّ ذاتها تغني عن تكرار أخطاء الماضي وتساعد في تفاديها. خسرت ألمانيا الحرب العالمية الثانية. ولكن، نظراً الى أنها عرفت كيف تخسر، استطاعت إعادة بناء نفسها وإيجاد مكانة لها في العالم.
 
تكمن مشكلة الجزائر في أنّها رفضت استغلال إمكاناتها الذاتية وثرواتها من أجل التنمية وبناء اقتصاد عصري. انصرفت الى لعب أدوار لا علاقة لها بحجمها السياسي أو الاقتصادي من أجل إثبات أنّها تمتلك دوراً خارج حدودها. على سبيل المثال، أعادت التذكير أخيراً بملفّ الصحراء المغربية مؤكّدة أنّها لا تعرف كيف تخسر ولا كيف تربح في قضيّة هي الطرف الأساسي فيها. لماذا الجزائر الطرف الأساسي؟ يعود ذلك الى أن لا وجود لجبهة "بوليساريو" من دون الجزائر ومن دون دور للمؤسسة العسكرية الجزائرية التي تعتبر السلطة الحقيقية في الجزائر، وذلك منذ الانقلاب الذي نفّذه هواري بومدين عام 1965.
 
تسمّم قضية الصحراء المغربية الأجواء في شمال أفريقيا حيث الحاجة أكثر من أيّ وقت الى التخلّي عن عُقد الماضي، من جهة، والتعاطي مع الواقع، من جهة أخرى. لو كانت الجزائر قادرة على تغيير الوضع في الصحراء، لكانت استطاعت ذلك قبل سنوات طويلة. تسعى الآن، عبر تحرّش لـ"بوليساريو" بالمغرب، عند معبر الكركرات الحدودي بين المملكة وموريتانيا، الى نبش الماضي رافضة الاعتراف بأنّ صفحة الصحراء طُويت وأنّ مغربية الصحراء لا شكّ فيها.
 
في سبعينات القرن الماضي، كانت الجزائر قادرة على لعب دور إقليمي في ظلّ هواري بومدين الذي كان شخصية طاغية استطاعت تأسيس نظام عسكري وأمني قويّ حاول أن يقدّم مثالاً يحتذى في العالم الثالث. ما عليه الجزائر اليوم يكشف ما حصدته في المدى الطويل، خصوصاً بعد رحيل بومدين. صار النظام في حاجة بين حين وآخر الى منفذ خارجي يهرب منه من أجل تأكيد أن كلّ ما يجري في الداخل الجزائري على ما يرام. في الواقع، لا شيء على ما يرام في الجزائر. لا الاقتصاد ولا السياسة ولا الحالة الاجتماعية، بما في ذلك العلاقة مع المواطنين من أصول قبيلية.
 
في وقت كان هناك مزيد من الدول المحترمة، آخرها دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، تفتح قنصليات لها في مدينة العيون، عاصمة الصحراء المغربية، وفي وقت كان المغرب يتذكّر "المسيرة الخضراء"، افتعلت "بوليساريو" مشكلة عند معبر الكركرات في المنطقة العازلة في الصحراء. أعادت القوات المسلّحة المغربية بموجب تعليمات من الملك محمد السادس الوضع الى طبيعته متفاديةً أي احتكاك بشري بمقاتلي "بوليساريو". الأكيد أن الجزائر فوجئت بحجم الدعم العربي للموقف المغربي، بما في ذلك دعم الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، يضاف اليها الأردن. ذهب وزير الخارجية المصري الى الاتصال بوزيري الخارجية الجزائري والمغربي. هذه خطوة تؤكّد أن الطرف الأساسي في قضيّة الصحراء هو الجزائر ولا أحد غير الجزائر. آن أوان توجّه الجزائر إلى المغرب مباشرة والإعلان صراحة عمّا تريده من الصحراء المغربية التي هي ممرّ لها الى المحيط الأطلسي. تستطيع إيجاد مثل هذا الممرّ بالتفاهم مع المغرب وفي إطار السيادة المغربية على الصحراء. لن تستطيع ذلك عبر الاستثمار الخاسر سلفاً في "بوليساريو".
 
جرعة من المنطق والواقعية ضرورية. لا يمكن إعادة عقارب الساعة الى الخلف. ربح المغرب حرب الصحراء منذ فترة طويلة بعدما حرّرتها "المسيرة الخضراء" من الاستعمار الإسباني. ربحها بعد نجاحه في إقامة الجدران الدفاعية التي سمحت بحماية قواته المنتشرة في كلّ الصحراء.
أتذكّر لقاء لي مع محمّد عبد العزيز الذي كان يسمّي نفسه رئيس "الجمهورية الصحراوية". اللقاء، كان طبعاً، في العاصمة الجزائرية على هامش انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني وبناءً على إلحاح من أصدقاء جزائريين. حصل اللقاء في الفيلا التي خصّصها له الجزائريون.
 
كان محمّد عبد العزيز (توفي لاحقاً)، وهو نجل ضابط صف في الجيش المغربي، متوتّراً. لم يجد ما يجيب به عندما أخرجت له خريطة للصحراء مع الجدران الدفاعية المغربية وسألته: من أين يمكن اختراق الجدران بعدما سدّت كل السبل في وجهكم، هل بقي من سبيل أمامكم غير مهاجمة المغرب انطلاقاً من موريتانيا؟ ردّ عليّ بأن أطلق بضعة شعارات فارغة. عند هذا الحدّ، استأذنته بالمغادرة وانصرفت الى فندقي.
 
وقتذاك، في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام  1988، كانت آثار التكسير واضحة في شارع ديدوش مراد وسط العاصمة الجزائرية نتيجة الانتفاضة الشعبية التي شهدتها الجزائر قبل شهر، أي في تشرين الأوّل (أكتوبر) من تلك السنة. استهدف التكسير خاصة مكاتب ما يسمّى "حركات التحرّر" التي كان لديها ممثلوها في الجزائر. أبرز المكاتب التي استهدفها المتظاهرون الجزائريون كان مكتب "بوليساريو". يعرف كلّ مواطن جزائري أن كلّ دولار تصرفه الجزائر على "بوليساريو"، هو دولار يؤخذ من دربه.
 
تمتلك الجزائر ثروات طبيعية ضخمة. تمتلك بعض أفضل الدبلوماسيين العرب. تمتلك عدداً كبيراً من السياسيين العقلاء. ما الذي يحول دون عملية مراجعة في العمق للأسباب التي أدّت الى هذا الفشل في التخلّص من وهم لعب دور القوّة الإقليمية ومن عقدة اسمها عقدة المغرب؟
 
في النهاية، لم تستطع الجزائر الخروج من أسر سعر النفط والغاز. عندما كان هواري بومدين في السلطة بين 1965 و1978، كان في الإمكان، بفضل عائدات النفط والغاز، تغطية الفشل... وهو فشل في كلّ الميادين، بما في ذلك التعليم والزراعة والصناعة والتعريب!
 
لماذا لا تستثمر الجزائر في الواقعية وفي الابتعاد عن الأوهام؟ الأكيد أن الخطوة الأولى في طريق تصالح الجزائر مع نفسها تتمثّل في الاعتراف بأن الاستثمار في "بوليساريو" لا يقود سوى الى تكرار أخطاء الماضي ويعكس رفضاً للتعلّم منها لا أكثر...
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم