إعلان

التطبيع الخليجي – الإسرائيلي: تحولات كبيرة تقلب المشهد الإقليمي

المصدر: النهار العريي
علي حمادة
علي حمادة
الزياني وبن زايد ونتنياهو خلال مراسم توقيع اتفاق السلام في البيت الأبيض (ا ف ب)
الزياني وبن زايد ونتنياهو خلال مراسم توقيع اتفاق السلام في البيت الأبيض (ا ف ب)
A+ A-

لا يختلف اثنان من المراقبين في الإقليم على أن اتفاقيتي التطبيع اللتين وقعتا في واشنطن بين كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، برعاية أميركية على مستوى الرئاسة، تعكسان دخول المنطقة في مرحلة استراتيجية جديدة. فالمعطى الاستراتيجي التقليدي الذي ساد من الناحية العملية منذ نكبة فلسطين سنة 1948، ولغاية اليوم، يتغير تغيراً كبيراً، لا سيما مع سقوط التحالفات، ونقاط الصراع التقليدية التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط على مدى سبعة عقود ونيف. فالتطبيعان الإماراتي والبحريني اللذان يتوقع حسبما صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تنضم اليهما دول عربية أخرى، سيغيران في معالم خريطة التحالفات كثيراً، ويخلطان الأوراق في المنطقة، وخصوصاً أن خطوات التطبيع انطلقت بسرعة قياسية على أكثر من مستوى.

 

فقرار الإمارات افتتاح مكتب لهيئة الاستثمار الإماراتية في إسرائيل، بالتزامن مع قرار سلطة موانئ دبي العالمية بالدخول في مناقصة عالمية بالشراكة مع شركة إسرائيلية كبيرة لإدارة مرفأ حيفا، يحمل على الاعتقاد بأن الأمور سوف تتسارع، وبأن المفاوضات على ما بعد التوقيع سبقت التوقيع نفسه، بحيث لم تترك الأمور من دون أجندة خليجية – إسرائيلية، بدأت في الاقتصاد ويمكن أن تتطور وتصل الى الأمن والدفاع، في زمن التهديد الذي تمثله إيران، ومشروعها التوسعي في المنطقة الذي يهدد دول الخليج وجودياً، ويطوق المنطقة من غزة ولبنان وصولاً الى اليمن مروراً بسوريا والعراق.

 

وهنا من المفيد أن نتوقف قليلاً عند موقف "اللاموقف" للنظام السوري الحليف، لا بل المرتبط وجودياً بالسياسة التوسعية الإيرانية، حيث ساد الصمت التام جميع المحافل السياسية والإعلامية الموجودة في "قلب العروبة النابض"! هذا مؤشر على أن التحالفات، والنزاعات لها صفة المتحول، والمتغير، وخصوصاً عندما يتم تحديد العدو والخصم، فبكل صراحة نجح الإيرانيون من خلال سياساتهم التوسعية الخرقاء في تغيير العقليات في العالم العربي، فما عاد العدو الوجودي بالنسبة الى ملايين العرب (خارج فلسطين) هو إسرائيل، بل صار العدو إيران التي صادرت شعارات القضية، وانقضت على الإقليم بدءاً من لبنان والعراق وسوريا في محاولة لبناء "امبراطورية" تمتد من حدود باكستان الى شواطئ المتوسط، وذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة على إسرائيل التي باتت تربطها بإيران في الجنوب اللبناني عبر أداتها المحلية "حزب الله" هدنة شبيهة بهدنة الجولان غير المكتوبة التي حافظ عليها كل من حافظ الأسد ونجله بشار برموش العين، فلم يخرقا الهدنة التي تكاد تشبه معاهدة سلام مقنعة، لا ينقصها سوى التطبيع، علماً أن دوائر القرار العربية تعرف أن إسرائيل تدخلت أكثر من مرة لدى الولايات المتحدة من أجل حماية نظام بشار الأسد من السقوط، معتبرة أن الأسد ضعيف ومكروه، ومعزول يظل "شيطاناً" معروفاً أكثر من الشياطين غير المجهولة التي يمكن أن تنبت من ركام النظام اذا ما سقط.

 

من هنا، لا بد من التوقف أيضاً عند  "البروباغاندا" التركية التي يمارسها حكم أردوغان، الذي تربط دولته بإسرائيل علاقات دبلوماسية تعود الى سنة 1952، فضلاً عن تبادل تجاري يصل الى أربعة بلايين دولار أميركية سنوياً، هذا عدا العلاقات الأمنية والعسكرية التي ما كانت سراً، وشملت تدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين على مدى عقود من الزمن. أما "الخلاف" حول واقع قطاع غزة فيكاد يخضع لتفاهمات مشتركة عبر الشريك القطري الذي يعبر تمويله لـ"حركة حماس" نقاط التفتيش والمراقبة العسكرية الإسرائيلية المنتشرة حول القطاع! وهل ننسى أن السيد إسماعيل هنية يتجول خارج القطاع (حالياً في لبنان) عابراً خطوط "العدو الإسرائيلي"، وسيعود الى القطاع بالطريقة عينها من دون أن يقلق أحد راحته.

 

هذه عينة صغيرة من سياسة الشعارات التي مورست على مدى عقود من الزمن، في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي ركبت موجتها كل الأنظمة العربية منذ 1948، الى أن أتى الإيرانيون ليركبوا الموجة ويتفوقوا على الجميع من خلال اختراق الإقليم ونسيج دوله الاجتماعي التي جرى تفجيرها الواحدة تلو الأخرى، مستخدمين بيئات محلية في كل من لبنان والعراق. وها هي تلك الدول المثال الصارخ على مرور المشروع الإيراني الذي أدى في ما أدى اليه الى تفكيك الدول، وتفكيك المجتمعات، وتحويلها الى قبائل طائفية متناحرة.

 

إن الحدث الكبير المتمثل بالتطبيعين الإماراتي والبحريني وما يستتبعهما يمثل تحولاً كبيراً في المشهد الاستراتيجي، وربما أدى الى إقامة نوع من التوازن مع المشروع الإيراني العدواني والعنيف، لا سيما إذا ما توسع ليشمل قيام تحالف أمني – عسكري يواجه طهران على تخومها!

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم