إعلان

في ما يتعلق بالبيان الرقم 1

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
العلم الفلسطيني
العلم الفلسطيني
A+ A-
فجأة هبط "بيان رقم 1" لـ"القيادة الموحدة الوطنية" على الفلسطينيين، ظهر من السديم، وظهرت قيادة موحدة ووطنية غامضة ومكتملة، في استعادة كاملة للانتفاضة الفلسطينية الكبرى، التي كانت إبداعاً شعبياً خالصاً ليس للقيادة علاقة تذكر في انطلاقتها، وأحيل "الإنجاز" مباشرة لمخرجات اجتماع الأمناء العامين الأخير الذي عقد بين بيروت ورام الله. 
 
ثمة رغبة عميقة وواضحة في لغة "البيان الرقم 1" وصياغته وترقيمه أن يذكّر مصطلح "القيادة الوطنية الموحدة " المتروك للدلالات، أثره المباشر على المتلقين بحقائقه الثلاث، بقاء القيادة ورسوخ صفة وطنيتها وأنها حققت الوحدة.
 
هذا استثمار بلاغي بائس للحنين في اللغة والتراكيب، سباحة جماعية في برميل.
 
لا تستطيع أن تغير الحقائق بالبلاغة، هناك ثغرات في كل كلمة، فلا القيادة كاملة الشرعية ولا مفهوم الوطنية واضح ولا الانقسام اختفى خلف "الموحدة".
 
هناك أزمة ثقة لا يمكن للغة أن تقفز فوقها، وشكوك عميقة تقترب من اليقين حول عدم قدرة هذه القيادة على إدارة الواقع الذي يواصل تشكله، ويدفع الموضوع الفلسطيني برمته نحو حقائق جديدة وبظهر مكشوف ومجال محدود للرؤية، أزمة الثقة هذه تتضمن تحميل "القيادات" جزءاً لا يمكن التغاضي عنه من مسؤولية الانهيار، كل في موقعه، السلطة في رام الله عبر سوء إدارة التحرك السياسي والتخبط الاقتصادي والتطاول الأمني على حريات الناس، وتغييب الشرعيات البرلمانية والقضائية، بكل ما يعني ذلك من سياسات الإقصاء وغياب الكفاءة وتفشي المحسوبية بأشكالها التنظيمية والشخصية.
 
وتشمل حركة "حماس" في قطاع غزة التي أنجزت بناء إمارة عبر انقلاب دموي ورؤية "طالبانية"، ترتكز على القمع والقسوة في تداول مغلق بين الشريعة والمقاومة، وفصائل دمشق التي انفصلت منذ مطالع تسعينات القرن الماضي عن كل شيء، وانشغلت بتدبير معيشتها من خلال الولاء للنظام، ثم ترديد أفكار أجهزة النظام الأمنية وتقديم الخدمات السوداء في أوساط المخيمات الفلسطينية، الى أن التحقت بشكل نهائي ومعلن في القتال الى جانبه وربطت مصيرها بمصيره كميليشيا ضمن الميليشيات الوافدة المتحالفة معه.
 
يمكن التقديم لكل هذه الشكوك بسؤال حول ماهية "القيادة" نفسها وتحديد هويتها، شكوك تتضاعف عند محاكمة سلوك هذه القيادات تجاه التجمعات الفلسطينية، وستتعدد أسباب المحاكمة وتمتد على مدار أكثر من خمسة عقود جثمت خلالها على صدر الحركة الوطنية الفلسطينية مثل حبال سميكة مشدودة الى الأنظمة العربية، وارتبطت بمصالح الدكتاتوريات التي حكمت المنطقة في فترة صعود الدولة الوطنية.
 
لعل هذا الشأن، محاولة احتواء المنظمة عربياً، كان أحد هواجس عرفات الكبيرة ومحركاً رئيسياً لمحاولاته خلق توازنات نفوذ داخل منظمة التحرير، توازنات تسمح للمنظمة بالمناورة والانتقال بين المحاور، من هنا يمكن فهم حرصه على حضور واضح لدول الخليج البعيدة في الأطراف لتعزيز التوازن مع المركز القوي، والاستقواء بها على المركز في منعطفات كثيرة.
 
ما يحدث الآن ومنذ أكثر من عقد من السنوات هو تطور هذه الأطراف، ونضوج طموحاتها الكامنة، وزحفها نحو المركز الذي تفكك وأصبح فارغاً تقريباً، تحول تجاوز النفوذ الاقتصادي ليشمل الحدود الجغرافية، لنأخذ مثلاً كيف أصبحت السعودية بعد حصولها على جزيرتي تيران وصنافير، بناء على اتفاقية تحديد الحدود البحرية مع مصر عام 2016، دولة تملك حدوداً مع إسرائيل، وهو ما يقتضي سياسة جديدة وخطاباً مختلفاً، بينما تتحرك الإمارات وقطر على الأرض عبر المال المشروط وتجنيد الأتباع وبناء جيوش مدفوعة الثمن في سوريا وليبيا واليمن، وتشرف قطر على توريد الأموال عبر إسرائيل الى غزة، إضافة الى أنها وسيط دائم وموثوق في اتفاقيات التهدئة بين "حماس" واسرائيل.
 
فيما ترتبط الآن الإمارات والبحرين باتفاقيات "سلام" مع إسرائيل، تماماً كأي دولة من دول الطوق. برغم أن الأمر بالنسبة الى البحرين أقرب الى وظيفة مدرسية من العام السابق تضاف ولا تحسب، دولة يصعب الحديث معها على انفراد، إذ غالباً ما يكون الأمر عالقاً في مكان ما خارجها.
 
تحول يقوده جيل جديد من الزعماء الشباب الطموحين المتخففين من المحمول التاريخي والثقافي للمنطقة ومخزون خبرتها، طموح لا يتمتع بحكمة الصراع، ما يجعل من اندفاعهم نحو المركز الشامي وبناء مناطق نفوذ وتأثير فيه أقرب الى مواجهة مع المكان ومكوناته وثقافته وانفصال تام عن ثقافة المنطقة في الوقت ذاته، وما يجعل من هذا التحرك وتلك الرغبة مغامرة استشراقية مشوشة، ستؤسس لصراعات جديدة في الإقليم.
 
في خط آخر، اخترقت إيران الخمينية البوابة الشرقية وشقت طريقاً طويلاً عابراً للحدود من جنوب العراق محروساً بحواضن شعبية مسلحة، وصولاً الى دمشق، ومن هناك تفرع بأشكال مختلفة نحو جنوب لبنان تحت اسم "حزب الله" ونحو غزة تحت اسم "الجهاد الإسلامي".
 
من الشمال وصل الأتراك واحتلوا حزاماً أمنياً في الشمال السوري، وشكلوا جيشاً من السوريين، في صيغة معاصرة لجيش عثماني من المرتزقة العرب، وفي الوقت ذاته رسموا مثلثاً متصلاً في البحر المتوسط بين غزة وطرابلس الغرب وقبرص التركية، منح أردوغان ممراً للعودة الى شرق المتوسط والحصول على حصة من ثرواته.
 
إنهم هنا الآن وراء الزجاج، خارج غرف القيادة الفلسطينية، وخارج الدلالة التي يحاول البيان الرقم 1 إحياءها من موتها القديم. 
 
من المحزن مواجهة هذا الزلزال الذي يواصل تفكيك المشروع الوطني الفلسطيني وتطلعاته، وسحق المصير الفلسطيني وتأبيد نكبته، ببيان مرتجل وقيادة مستنفدة شعبياً وسياسياً.
 
الأمر لا يحدث هكذا، بإصدار بيان يحاول استعادة "الانتفاضة الكبرى" ولكنه يذكر بـ"مسيرات العودة" البائسة بدل ذلك. 
 
هذه، بشكلها الحالي، ليست أكثر من استغاثة يائسة لإنقاذ السلطة والفصائل.
 
حين تدعو الى "انتفاضة" لمواجهة الاحتلال تتبنى برنامج إنهائه، عليك أن تبني بيئة للمواجهة، الأسلوب والوجوه والأدوات، وأن تطرح برنامجاً نابعاً من أسئلة الناس وليس من أزمة القيادة ورغبتها في البقاء.
 
إلقاء الأوامر وتحديد التواريخ و"بلاغة السيف" لن تدفع الناس للمواجهة، ما يريدونه واضح وبسيط، قيادة يمكن الثقة بها. 
 
إنهاء الانقسام أهم بكثير من دفع الفتيان نحو حواجز الاحتلال. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم