إعلان

الانتقال الديموقراطي والعدالة الانتقالية... المغرب نموذجاً

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
العلم المغربي
العلم المغربي
A+ A-
 خلّد العالم هذا الأسبوع اليوم الدولي للديموقراطية (15 أيلول/سبتمبر من كل سنة)، وفي بداية السنة قدم الترتيب السنوي لـ "مؤشر الديموقراطية في العالم" والذي يصدر عن مجلة "الإيكونوميست"، هذا المؤشر يعتمد على دراسة خمسة مؤشرات أساسية وهي: الانتخابات التعددية، والأداء الحكومي، والمشاركة السياسية، والحريات المدنية، وأخيراً الثقافة السياسية، ويعمل المؤشر على تصنيف الدول إلى أربع مجموعات، الأولى تهم "الديموقراطية الكاملة" و الثانية تهم "الديموقراطية المعيبة"، والثالثة تهم "الأنظمة الهجينة" و أخيراً المجموعة الرابعة التي تضم "الأنظمة السلطوية". 
 
منذ انطلاق المؤشر عام 2006 لم تصنف أي دولة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ضمن الديموقراطيات الكاملة، وشكلت تونس استثناء على مدى السنوات الأخيرة، حيث دخلت بعد الربيع العربي ضمن مجموعة الديموقراطية المعيبة، كل الدراسات العالمية تشير إلى تراجع المد الديموقراطي في مقابل توسع في الأنظمة السلطوية، والمؤكد أن الأزمات الاقتصادية والمالية وآخرها أزمة فيروس كورونا المستجد، لا تزيد سوى في تعزيز الانحراف العالمي عن الديموقراطية وتوفر شروطاً ملائمة ومثالية لتجذر السلطوية.

في هذا السياق، تعيش بلدان 
كثيرة في المنطقة أزمات مختلفة، إما بفعل الصراع الداخلي القائم على الطائفية والمناطقية، الذي تغذيه أطراف خارجية، أو عجزها عن مواجهة تراكمات سنوات من حكم الحزب الوحيد أو من تبعات الانقلابات العسكرية ونخبها، التي مهما نزعت زيها العسكري، فإنها تبقى عاجزة عن التحول إلى الثقافة المدنية في السلطة والحكم، لهذا ليس مستغرباً أن دولاً عربية اليوم تعتبر دولاً فاشلة، وأمام هذا الوضع يبقى البحث عن مخارج ومسارات بديلة مسألة حيوية، قد لا تكون مفتوحة وممكنة اليوم أمام الصراعات الدولية على النفوذ في المنطقة، لكنها تبقى مسألة ضرورية ومصيرية لتفادي الإنهيار الكامل. 
 
بكل تأكيد هناك تجارب عالمية رائدة استطاعت أن تنتصر على ظروف ليست أقل سوءاً مما تعيشه اليوم بلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونستحضر هنا التجربة الإسبانية في الانتقال الديموقراطي والتي يمكن القول إنها إلى اليوم تمثل أكثر القصص نجاحاً، حيث تمكنت إسبانيا من الانتصار على إرث ثقيل مثلته الحرب الأهلية ومن ضمن هذا الإرث، أن إسبانيا إلى اليوم ما زالت هي الدولة التي تحتضن أكبر عدد من المقابر الجماعية على المستوى العالمي. 
 
قد يكون ما تحقق في إسبانيا مثالياً وفق سياق إقليمي ودولي يختلف عما هو موجود اليوم بكل الرهانات المتناقضة، لكن مع ذلك فقوة التجربة هي أن تحقيقها ممكن، ربما قد لا تكون التجربة الأنسب لبلداننا، ولكن ذلك لا يعني إهمالها مع ضرورة الانفتاح على تجارب أخرى ربما أقل مثالية وغير مكتملة، لكنها تبقى صالحة كتجربة، والأهم من ذلك كله أنها تحمل كثيراً من خصائص المنطقة وتحققت في ظل الشروط الدولية ذاتها، فالحديث هنا عن التجربة المغربية في الانتقال الديموقراطي والعدالة الانتقالية. 
 
لقد خاض المغرب تجربة فريدة في ما يتعلق بالعدالة الإنتقالية وطي صفحة الماضي الأليم والتي تميزت بانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان والتضييق على البناء الديموقراطي واحتكار شبه كلي للسلطة في مختلف مظاهره منذ الاستقلال إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، إننا عندما نتحدث عن التجربة المغربية، فإننا لا نقدم نموذجاً قابلاً للاستنساخ في بقية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل هي تجربة أحاطت بها خصوصيات شديدة، لكن هذه الخصوصيات تصلح أن تكون -في طابعها الإجرائي- نموذجاً إرشادياً في ما يتعلق ببناء المصالحة في الدول التي تعرف نزاعات ممتدة منذ عقود لأسباب مختلفة ومتعددة.
 
عناصر خصوصية التجربة المغربية والتي ساهمت في نجاحها إلى حد كبير تتمثل أساساً في العوامل التالية:
 
أولاً: الاتفاق على طبيعة النظام السياسي المتمثل في الملكية الدستورية. 
 
ثانياً: أصالة التعددية السياسية والحزبية الممتدة إلى ما قبل الاستقلال، سواء في المنطقة الشمالية، حيث تم تأسيس حزبي "الإصلاح الوطني" و"الوحدة المغربية"، أو في الداخل والجنوب إذ كان هناك حزب "الاستقلال" وحزب "الشورى والاستقلال" والحزب "الشيوعي المغربي"، هذه التعددية ساهمت في غياب الخطاب التخويني بخصوص الاستقلال، إذ إن الصراع أو المنافسة التي عرفتها السنوات الأولى للاستقلال سرعان ما تم إخمادها، حتى قبل أول دستور وأول انتخابات عرفتها البلاد بداية الستينات من القرن الماضي، حيث أجريت الانتخابات الأولى بعد الاستقلال عام 1962 على خلفية صراع سياسي واضح، بين تيار وطني دافع عن تعددية فعلية وحكم للمؤسسات وانتصاراً للديموقراطية وحكم القانون، وتيار آخر تحلق حول الملك محمد الخامس وولي عهده آنذاك الراحل الملك الحسن الثاني، الذي كان يسعى إلى دولة شمولية تشكل فيها المؤسسات والديموقراطية مجرد شكليات من دون جوهر.
 
ثالثاً: التأطير المبكر لعمل المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنقابات والنشر والإعلام، وذلك عبر قانون الحريات العامة الذي صدر عام  1958 في عهد حكومة أحمد بلافريج الأمين العام آنذاك لحزب "الاستقلال"، والذي كان سابقاً على إقرار أول دستور في المغرب عام 1962، هذا التأطير المبكر سمح ببروز مبادرات وتيارات مختلفة تشتغل في واجهات متعددة، كما ساهم في خلق ثقافة "الحريات العامة" وحدود هذه الحريات في العلاقة مع الآخرين. 
 
رابعاً: لم يكن هناك صراع مسلح مع السلطة، حيث حافظت المعارضة على طابعها السياسي السلمي، والأحداث المتفرقة التي عرفتها بعض المناطق والتي حاولت اعتماد ثورة مسلحة، فشلت فشلاً ذريعاً، بل في لحظة من اللحظات عززت الطابع السلطوي للنظام وقدمت له مبررات مجانية لذلك.
 
خامساً:  الاختلافات بين الأحزاب والقوى السياسية حافظت دائماً على طابعها السلمي، ولم تنتج أية أحقاد بين القوى السياسية أو المناطق التي تشكل معاقل لهذه القوى، مع إستثناءات محدودة ميزت صراع القوى السياسية في الجامعات، حيث سجلت أحداث مؤسفة، لكن لم يكن لها تأثير على المجتمع ككل، بل إن الأمر لم يكن يتجاوز أسوار الجامعات والأحياء الجامعية.
 
سادساً: غياب تعددية دينية ومذهبية، مع حضور يهودي في المدن الكبرى تقلص بشكل كبير منذ هجر جزء كبير من اليهود المغاربة، إما نتيجة الدعاية الصهيونية أو نتيجة بعض الأحداث المتفرقة التي جعلت عدداً من الأسر ذات الديانة اليهودية تفضل الهجرة خارج البلاد، وقد توزعت هذه الهجرة بصفة أساسية في إتجاه كل من إسرائيل وفرنسا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لكن الغالب في الحياة الدينية للمغاربة هو التسامح والعيش المشترك مع المغاربة اليهود.
 
سابعاً: الإرتباط العضوي الذي كانت تشهده قوى المعارضة مع منظمات المجتمع المدني النشيطة في الجانب الحقوقي وتلك التي تعمل على الواجهة النقابية، إذ كان هناك نسيج واسع من الجمعيات التي تشتغل في مختلف المستويات على الصعيد الوطني، هذا الترابط ساهم في انسجام وتكامل المبادرات المدنية والسياسية والنقابية التي كانت تسعى إلى نزع الطابع السلطوي عن الحكم.
 
هذه العوامل مجتمعة -وعلى أهميتها- لم تكن لتحقق النتائج التي وصل إليها المغرب، لو لم يكن هناك نظام ملكي يجمع الشرعية الوطنية والتاريخية بالنظر إلى الدور الوطني الكبير الذي قام به الملك الراحل محمد الخامس، والذي تم نفيه هو وأسرته إلى مدغشقر على غرار بقية قادة "الحركة الوطنية" مثل عبد الكريم الخطابي في مصر وعلال الفاسي في الغابون ثم مصر، إضافة إلى الشرعية الوطنية والتاريخية، نجد الملك هو أمير للمؤمنين، وهذا الأمر جنّب البلاد ظهور تيارات الإسلام السياسي بالمضامين المتشددة الموجودة في الشرق الأوسط ذاتها، أو على الأقل تمت مَغْرَبَة ذلك التيار سواء على المستوى الأدبي أو من حيث الممارسة.
 
هذه الشرعيات المتعددة تعززت في سياقات معينة بشرعية الإنجاز، التي تتمثل في حجم محاولات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي واكبت عملية العدالة الانتقالية، والتي ساهمت في تيسير عملية المصالحة وبناء العدالة الانتقالية، فعندما يكون في مواقع السلطة من يجيد قراءة التحولات الداخلية والخارجية، ولديه خلفية وطنية ودينية متنورة، فإن عملية التغيير تملك شروط النجاح.
 
قد لا يكون هذا النجاح مستمراً بصورة آلية، ولكنه نجاح تحقق لأنه كان يعبر عن قناعات حقيقية لدى كل الأطراف الرئيسية في عملية التحول الديموقراطي، بالطبع هو مسار معقد ما زالت تواجهه صعوبات وعراقيل وتهددها نزعة نكوصية تحركها جهات ترى أن مصالحها مهددة من دينامية المصالحة والتحول الديموقراطي، في مثل هذه الظروف يكون المطلوب من كل الأطراف المساهمة في عملية صمود الانتقال الديمقراطي - ورغم استمرار الخلاف بينها في بعض القضايا- عليها أن تبقى على استعداد لمواجهة أي جهة تريد العودة إلى الممارسات السلطوية السابقة. 
 
التجربة المغربية تواجه صعوبات حقيقية في السنوات الأخيرة، لكن رغم كل الانتقادات التي يمكن توجيهها، فإنها تبقى أفضل التجارب في المنطقة، إذ قامت في ظل استمرار النظام السياسي ذاته، وحافظت على مقدرات البلاد الاقتصادية، وهو أمر صعب لكنه ليس مستحيلاً على كثير من بلدان المنطقة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم