إعلان

الرسائل الأميركية الخطأ... في التوقيت الخطأ

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
جورج بوش مع جنود الغزو الأميركي للعراق
جورج بوش مع جنود الغزو الأميركي للعراق
A+ A-
فاجأت حركة "طالبان" الأميركيين. حاصرت كابول ثم انتشرت فيها. استولت عملياً على السلطة وفرّ الرئيس أشرف غني الى خارج البلد. كانت واشنطن تظنّ أن أمامها بضعة أسابيع أخرى كي تنظم خروجها من أفغانستان. هذا لا ينفي أن يكون هناك نوع من الاتفاقات السرية بين "طالبان" والأميركيين الذين أجروا في الماضي القريب مفاوضات مع "طالبان" في الدوحة. بموجب هذه الاتفاقات السرية، ستكون هناك مرحلة انتقالية في أفغانستان في انتظار أن تستتب الأمور نهائياً لـ"طالبان" بعد الانتهاء من هذه المرحلة التي قد تقودها شخصية غير معادية للأميركيين.
 
هذا لا يمنع الاعتراف بأن "طالبان" حققت انتصاراً على الولايات المتحدة التي بعثت كل الرسائل الخطأ في الوقت الخطأ. ما فهمه كثيرون، وفي مقدمهم إيران، أن أميركا لم تقرر الانسحاب من أفغانستان فحسب، بل قررت أيضاً الانسحاب من المنطقة كلها الممتدة من أفغانستان الى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مروراً بالخليج في طبيعة الحال. سيراقب الخليجيون بحذر شديد مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتسلم "طالبان" السلطة مجدداً... واستمرار السياسة العدوانيّة لإيران إن في العراق أو في سوريا او في لبنان أو في اليمن على وجه التحديد.
هل يكفي اعتراف أميركا بفشلها المزدوج، العسكري والسياسي، في أفغانستان كي تبرر انسحابها الذي ستكون له انعكاساته على المنطقة كلها؟
 
حسناً، فشلت أميركا في بناء جيش أفغاني يستطيع الوقوف في وجه "طالبان". فشلت خصوصاً في إعادة بناء الدولة من طريق إقامة نظام جديد قابل للحياة. يشبه هذا الفشل الفشل الأميركي في العراق. لم تستطع أميركا إقامة نظام عراقي قابل للحياة بعد العام 2003، ولم تستطع بناء جيش عراقي قادر على التصدي للتنظيمات الإرهابية مثل "داعش". انهار جيش نوري المالكي في 2014 أمام "داعش" وبات على الجيش العراقي الجديد، الذي خلف جيش صدّام حسين الذي لم يستطع الصمود في وجه الاجتياح الأميركي، التعايش في الوقت الحاضر مع جيش آخر. اسم الجيش الآخر "الحشد الشعبي" الذي ليس سوى تجمع لميليشيات مذهبية، موالية في معظمها لإيران.
 
أنشأت أميركا جيشاً من 300 ألف عنصر في أفغانستان. دربت هؤلاء تدريباً جيداً وزودتهم أسلحة حديثة بات قسم منها لدى "طالبان". تبيّن أن الجيش الأفغاني، الذي بناه الأميركيون، لم يكن سوى نمر من ورق. مع إعلان أميركا نيتها الانسحاب من أفغانستان، انهار الجيش الأفغاني أمام "طالبان" في غضون أسابيع. هذا يطرح أسئلة جدية. في مقدمة هذه الأسئلة هل كان هناك بالفعل جيش من 300 ألف عنصر، أم كان هناك تضخيم للأعداد بغية الحصول على أموال أميركية تذهب الى جيوب مسؤولين أفغان معروفين بفسادهم؟
 
في كل الأحوال، فشلت أميركا التي غزت أفغانستان بعد "غزوتي نيويورك وواشنطن" في 11 ايلول (سبتمبر) 2001 في بناء أفغانستان جديدة. تبيّن أن "طالبان" باتت، بكلّ تخلّفها وعدائها لأي قيم حضاريّة في العالم، تمتلك جذوراً عميقة في البلد وأن ليس وارداً تخليها عن السلطة. أكثر ما تبيّن أن التخلص من طلاب المدارس الدينية الذين ينتمون الى البشتون والذين يحظون بدعم الاستخبارات العسكرية الباكستانية، ليس نزهة لم يكن كذلك في يوم من الأيّام.
 
ثمة خطيئة مميتة ارتكبتها إدارة جورج بوش الابن عندما قررت الذهاب الى العراق في العام 2003 قبل أن ينهي الجيش الأميركي مهمته في أفغانستان حيث كانت "طالبان" تحمي الإرهابي أسامة بن لادن.
 
لماذا ذهبت أميركا الى العراق فيما الحرب في أفغانستان لم تنتهِ بعد؟ لا يزال هذا الأمر لغزاً كبيراً، خصوصاً أنه لم تكن لنظام صدام حسين أية علاقة بأسامة بن لادن و"القاعدة"؟
 
تدفع أميركا الآن في أفغانستان ثمن الذهاب الى العراق، علماً أن إسقاط نظام صدام حسين كان له ما يبرره ولكن من منطلق آخر لا علاقة له بـ"القاعدة" وأحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001.
 
يظل الخوف كل الخوف أن تستغل إيران الانسحاب الأميركي من أفغانستان للسير الى أبعد في مشروعها التوسعي الذي كانت له إنطلاقة جديدة في العام 2003 عندما سلمتها إدارة بوش الابن العراق على صحن من فضة.
 
أياً تكن المبررات الأميركية للانسحاب من أفغانستان، ثمة من سيجد أن إدارة بايدن إدارة ضعيفة غير مستعدة لأي مواجهة في أي منطقة في العالم. هذه إدارة ديموقراطية لديها تقدير خاص في "الجمهورية الإسلامية" التي عرفت كيف تتعاطى مع الإدارات الأميركية المتلاحقة منذ العام 1979.
 
ثمة حاجة الى التفكير الجدي منذ الآن في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان وانعكاساته في الخليج والشرق الأوسط حيث تمارس إيران سياسة أكثر عدوانيّة على الرغم من أن وضعها الاقتصادي منهار وأن هناك تذمراً شعبياً واسعاً من النظام وممارساته.  
 
هل سيكون لدى الإدارة الأميركية ما تطمئن به حلفاءها في الشرق الأوسط والخليج أم على هؤلاء اعتماد نمط آخر في التعامل مع واشنطن، نمط يعتمد على الحذر الشديد قبل أي شيءٍ آخر؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم