إعلان

أفغانستان: الفشل الأميركي الكبير

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
رعايا أجانب يستعدون لمغادرة افغانستان.أف ب
رعايا أجانب يستعدون لمغادرة افغانستان.أف ب
A+ A-
كان مشهد الفوضى التي ضربت شوارع كابول إثر فرار الرئيس الأفغاني أشرف غني صباح الأحد، إثر دخول مسلحي حركة "طالبان" الى العاصمة من دون قتال، أشبه بكابوس حقيقي للكثيرين من سكان المدينة الأفغان والأجانب، ممن لم يصدقوا أن  "طالبان" ستقدر على الاستيلاء على العاصمة كابول بهذه السرعة والسهولة. ففي أقل من عشرة أيام سقطت جميع  المدن الكبرى، وعواصم المقاطعات، بعدما سبقتها في الشهرين الماضيين معظم المعابر الحدودية الأفغانية مع دول الجوار. في أقل من شهرين تمكّنت "طالبان " من السيطرة على كامل الأراضي الأفغانية، من دون قتال يُذكر. وللتذكير كانت التقديرات الغربية تشير الى أن الحركة قد تحتاج الى وقت طويل لبسط سيطرتها وحسم الوضع في البلاد. وقد ذهبت بعض التقديرات الى أن "طالبان" لن تتمكن من حسم سيطرتها، وأنها إن حاولت أن تتمدد، فقد تدخل البلاد في حرب أهلية شاملة. أكثر من ذلك، كان الأميركيون يعتقدون أن الجيش الأفغاني النظامي الذي يتجاوز عديده الثلاثمئة والخمسين ألف جندي سيظل قادراً على السيطرة على المدن الكبرى والعاصمة، تاركاً لـ"طالبان" الأرياف والجبال، إضافة الى المدن والقرى الصغرى. لكن ما حصل فاق جميع التوقّعات. فسقطت العاصمة كابول قبل أن تكمل القوات الأميركية وشريكاتها في حلف "الناتو" انسحابها النهائي في الحادي والثلاثين من الشهر الجاري. هكذا تقاطع دخول "طالبان" الى العاصمة بما حسم الصراع، مع عمليات الإجلاء الأخيرة للقوات الأميركية وخلفها "الناتو"، فضلاً عن عمليات إجلاء الرعايا الأجانب الذين قدّر عددهم بآلاف عدة، فضلاً عن آلاف المتعاونين الأفغان مع قوات الحلفاء، الذين اضطروا الى تسريع مغادرتهم، ما أدى الى غرق العملية بفوضى عارمة شاهدها العالم أجمع على شاشات الأخبار، حيث ذكّرت مشاهد الهروب والهلع بما عاشته مدينة سايغون عام 1975 (عاصمة فيتنام الجنوبية سابقاً) عند دخول قوات الفيتكونغ (فيتنام الشمالية) لحظة مغادرة آخر الجنود الأميركيين والرعايا الأجانب وآلاف الفيتناميين الجنوبيين الذين تعاونوا مع الأميركيين من سطح السفارة الأميركية. وكانت صورة آخر مروحية أميركية فوق سطح أحد المباني قرب السفارة علامة صادمة بقيت حاضرة في الأذهان والذاكرة، وتكررت في كابول مع مشاهد تحليق المروحيات الأميركية التي عملت على مدى الأيام الماضية ولغاية الآن لإجلاء آلاف الأجانب والأفغان المتعاونين الذين فضّلوا الهرب من البلاد خوفاً من أن يتعرضوا للانتقام على يد مسلحي "حركة طالبان". لقد كان لهذه الأيام الحافلة بمشاهد الهروب الكبير والفوضوي طعم الهزيمة التاريخية، بعد عقدين من سيطرة القوات الأميركية والحليفة على أفغانستان، وذلك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على نيويورك وواشنطن. واليوم طُويت صفحة من تاريخ الحروب الأميركية الطويلة، وفُتحت صفحة جديدة في تاريخ أفغانستان. الأميركيون يخرجون، ويتركون خلفهم أفغانستان تحت سيطرة "حركة طالبان" بعد عقدين على إلحاق الهزيمة بها. يخرج الأميركيون بطريقة تذكّر بفيتنام، وتثير غضباً حتى داخل الولايات المتحدة بسبب الطريقة التي حوّلت الانسحاب الى سباق للهروب، وسط مشاهد مؤلمة لأفراد أفغان تعلقوا بعجلات الطائرات العسكرية وهي تقلع من مدارج مطار كابول الدولي. 
 
صحيح أن للانسحاب الفوضوي طعم هزيمة، أو أقله هو إخفاق، بعدما بدا أن الجيش الأفغاني لم يقاتل، بل إنه إما استسلم لـ"طالبان" أو هرب من ساحة المعركة فسقطت البلاد في أقل من شهر. حتى أن الرئيس أشرف غني غادر على وجه السرعة العاصمة صبيحة دخول مسلحي الحركة الى العاصمة، تاركاً خلفه إدارة رسمية سرعان ما عملت "طالبان" على استيعابها، والاستعانة بها للمحافظة على نظام الخدمات العامة. وعندما نتحدث عن طعم الهزيمة، نعني أن المشروع الأميركي بتغيير طبيعة أفغانستان لم ينجح طوال عقدين، فقررت المؤسسة العميقة في واشنطن ترك أفغانستان، لكنها أحدثت فراغاً استراتيجياً في وسط آسيا، وعلى تخوم شبه القارة الهندية، ما أدى وسيؤدي الى إرباك جميع الدول المحيطة بأفغانستان، من الصين، الى روسيا، وإيران، والهند، وجمهوريات آسيا الوسطى التي كانت في ما مضى جزءاً من الاتحاد السوفياتي. 
 
تركت أميركا ساحة فارغة، مربكة ومقلقة لجميع الجيران الذين تزاحموا للتقرب من حركة "طالبان" منذ أشهر عدة. فمنذ الربيع الفائت كانت دول الجوار (الصين، روسيا وإيران) تستقبل وفوداً رسمية من الحركة، في إطار التحضير لاحتمال سيطرة الحركة على أفغانستان إثر الانسحاب الأميركي. كل هذا إن دل على شيء فعلى حقيقة أن جميع دول الجوار كانت تدرك أن حكومة  غني لن تصمد طويلاً أمام "طالبان". حتى الأميركيون كانوا يعلمون أن انسحابهم مؤداه ضعضعة الحكومة. من هنا كانت مباحثات الدوحة عام 2020 بين الأميركيين و"طالبان" التي انتهت بالتوقيع على اتفاق سياسي داخلي حول مرحلة ما بعد الانسحاب. طبعاً لا نعتقد أن هذا الاتفاق سيجد طريقه الى التنفيذ، وخصوصاً بعد الانهيار المذهل لحكومة أشرف غني. 
 
اليوم يغادر الأميركيون والعالم ينتقد أسلوب المغادرة، ولا سيما ترك الآلاف من الأفغان خلفهم من الذين يمثلون نخباً ليبرالية جديدة نشأت في ظل وجود أميركا وحلفائها. هؤلاء سوف يضطهدون، وخاصة النساء منهم، وستحاول "طالبان" سحقهم. ومع الوقت قد تنجح لأن الغرب من الناحية العملية تخلى عن أفغانستان ولن يعود إلا في مرحلة لاحقة حاملاً عقوداً تجارية، واستثمارات مالية في محاولة للدخول من الباب بعدما غادر من النافذة مثل اللصوص، تماماً كما فعل في فيتنام ...
 
إزاء هذا الواقع، ما هي التحديات الاستراتيجية التي ستترتب على سيطرة "طالبان" على أفغانستان؟ هذا موضوع نعالجه في مقالتنا المقبلة. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم