إعلان

الإمارات لم تمنع أحداً من تحرير فلسطين

المصدر: "النهار العربي"
خيرالله خيرالله
ولي عهد أبوظبي الشيخ محمّد بن زايد آل نهيان
ولي عهد أبوظبي الشيخ محمّد بن زايد آل نهيان
A+ A-
يكفي أن يهاجم المسؤولون الإيرانيون الاتفاق الذي عقدته دولة الإمارات العربية المتحدة برعاية أميركية مع إسرائيل من أجل التأكّد من أنّ الإمارات عل حقّ في كلّ تفعله في هذا المجال. إنّها على حقّ، قبل أيّ شيء آخر، من منطلق أنها دولة مستقلّة سيّدة تسعى الى المحافظة على مصالحها في ظلّ تعقيدات إقليمية ودولية لا سابق لها.

 

لا تحتاج الإمارات الى دروس من إيران. يعود ذلك الى وجود ثلاث جزر إماراتية تحتلها إيران منذ عام 1971 وترفض الدخول في أي مفاوضات في شأنها. على العكس من ذلك، تسعى إيران الى فرض أمر واقع في أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، على غرار ما تسعى اليه إسرائيل منذ احتلّت الضفّة الغربية عام 1967. كانت الضفة والقدس الشرقية وقتذاك تحت السيادة الأردنية. كانت استعادة الأردن للضفّة أمراً وارداً وممكناً استناداً الى مبدأ الأرض في مقابل السلام، الذي هو في أساس القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة بعيد حرب 1967.

 

اتّخذت القمّة العربية التي انعقدت في الرباط عام 1974، بدفع من الرئيس الجزائري هواري بومدين، الحاقد على الملك حسين، قراراً يجعل من منظمة التحرير الفلسطينية "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني".

 

انتزع القرار حجّة قانونية كان يمكن الاستعانة بها من أجل استعادة الضفّة، نظراً الى أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن تمارس أي سيادة على تلك الأرض لدى وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي. بعد قرار قمّة الرباط، باتت إسرائيل تتحدّث عن الضفّة الغربية والقدس الشرقية كـ"أرض متنازع عليها". لدى إسرائيل أطماع واضحة في تلك الأرض التي يظهر أهلها كلّ يوم أنّهم غير مستعدين للتخلّي عنها. لكنّ السؤال الذي يبقى في البال في كلّ وقت: لماذا كلّ هذه الأخطاء العربية المتراكمة منذ قرار التقسيم في 1947؟

 

في خريف عام 1977، ذهب رئيس مصر أنور السادات الى القدس وخطب في الكنيست تحت شعار "جئت اليكم حامل سلام الشجعان وليس سلام المغلوب على أمره".

 

تكشف تجربة مصر أن ليس في الإمكان استعادة أرض محتلّة من دون مفاوضات. لم تستعد مصر أرضها إلا بعد مفاوضات تُوّجت بمعاهدة سلام في 1979. لم يتمكن ياسر عرفات من العودة الى رام الله وإقامة مطار في غزّة، عمل لفترة قصيرة، لولا اتفاق أوسلو بحسناته وسيئاته. دافع الأردن عن أطماع إسرائيل بتوقيع معاهدة سلام عام 1994، بعدما سار الفلسطينيون في اتجاه تحقيق طموحاتهم بمعزل عنه.

 

منذ توقيع مصر اتفاق سلام مع إسرائيل، لم يعد سراً أنّ لا حرب من دون مصر ولا سلام شاملاً من دون سوريا. لم تعمل سوريا في ظلّ النظام الأقلّوي فيها، إن في عهد حافظ الأسد أو بشّار الأسد، من أجل استعادة الأرض. الجولان مجرّد تجارة. كان وضع اليد على لبنان أهمّ بكثير من الجولان، كذلك التحّكم بالقرار الفلسطيني.

 

استفاد حافظ الأسد بدهائه من سذاجة أحمد حسن البكر وصدّام حسين من أجل عزل مصر عربياً بعد ذهاب السادات الى القدس. مارس البعثان السوري والعراقي، بعدما تصالحا فجأة، كلّ أنواع الابتزاز والتهديد من أجل جرّ العرب الى عزل مصر. كلّ ما حصل بعد توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل كان مجموعة من الأخطاء التي تراكمت وصولاً الى تحوّل فلسطين والقدس ورقة إيرانية وتركية. لا عقدة لدى إيران في الحصول على أسلحة إسرائيلية في أثناء حربها مع العراق بين 1980 و1988، ولا عقدة لدى رجب طيب اردوغان في التقاط صورة مع ارييل شارون عام 2005... عندما كان الأخير رئيساً للوزراء.

 

في النهاية، إن ما نشهده اليوم من تحوّل على صعيد اتجاه الإمارات الى توقيع اتفاق سلام إسرائيل هو تحوّل كبير على الصعيد الإقليمي. يعني هذا التحوّل أوّل ما يعني السقوط النهائي للفكر البعثي المتخلّف الذي من نتائجه ما حلّ بسوريا والعراق ولبنان. يدفع لبنان الآن ثمن ممارسات الوصاية السورية حتّى 2005 والوصاية الإيرانية في المرحلة الراهنة.

 

ليس موقف الإمارات حدثاً عادياً. يعطي هذا الموقف فكرة عن رغبة أكثرية عربية في التحرّر من عقدة الرضوخ لإرادة المتاجرين بفلسطين. هؤلاء دفعوا مصر الى سلام منفرد مع إسرائيل بدل العمل الجماعي على استعادة الأرض من جهة، والتعاطي مع أنور السادات ورحلته الى القدس بطريقة مرنة من جهة أخرى. فعندما ذهب السادات الى الكنيست كانت مصر على شفا انهيار اقتصادي حال دونه في وقت لاحق أمران: المساعدات الأميركية أوّلاً، واستعادة حقول النفط والغاز في سيناء ثانياً وأخيراً...

 

هناك هويّة وطنيّة فلسطينية لن تتمكن إسرائيل من القضاء عليها في يوم من الأيّام. هذا لا يمنع من الاعتراف بأنّ هناك جديداً في المنطقة الممتدة من المحيط الى الخليج. هناك دول انهارت مثل سوريا واليمن وليبيا، وهناك دول على شفا الانهيار مثل لبنان... وهناك إيران وتركيا اللتان تستعيدان، كلّ منهما على طريقته، أساليب البعثين السوري والعراقي... وهناك أخيراً دول عربية، مثل الإمارات، قررت وضع مصلحتها ومصلحة شعبها فوق كلّ مصلحة أخرى بعيداً عن أيّ نوع من العقد. أين المشكلة في ذلك كي تقوم قيامة تركيا وإيران على الإمارات؟

 

 في النهاية، لم تمنع الإمارات تركيا وإيران من تحرير فلسطين والوصول الى القدس. قبل ذلك، لم تمنع البعثين السوري والعراقي من ذلك!

الكلمات الدالة