إعلان

الربيع الذي ضرب القضية الفلسطينية!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
"الإخوان المسلمون"
"الإخوان المسلمون"
A+ A-
كنا دائماً نتهم إسرائيل أنها لا تكف عن محاولات الوقيعة بين الدول العربية بعضها ببعض ونشر الفتن بين شعوبها، وتحريض المسلمين ضد الأقباط، والشيعة ضد السنّة، والرجال ضد النساء والشبان ضد الشيوخ والحكام ضد الجماهير والشعوب ضد المسؤولين، وكذلك استنزاف موارد الدول العربية وشغل أجهزة الأمن فيها بقضايا هامشية ووسائل الإعلام بتوافه الأمور، وضرب القطاع العام بالخاص وهدم مؤسسات الدول ووقف خطط التنمية وإفشال كل مشروع جديد، ومحاربة كل إنجاز أو نجاح، واستهداف التاريخ العربي بالتزييف والتزوير والفبركات... الآن ارتاحت إسرائيل إذ صارت هناك جهات أخرى تقوم بتلك المهمات تحت غطاء الدين أحياناً أو حقوق الإنسان في أحيان أخرى، وبزعم تحقيق الحريات أو العدل أو محاربة الفساد، فكانت النتيجة أن ارتبك الحكام وانشغلت الشعوب وتفرغت إسرائيل لابتلاع ما تبقى من فلسطين!
 
المؤكد أن حدثاً مهماً كالربيع العربي الذي ضرب المنطقة قبل نحو عشر سنوات والذي أفضى الى تقسيم دول وسقوط أخرى وانتشار الفوضى في مناطق وتشتيت مجتمعات واشتعال حروب أهلية، كان له تأثير كبير على معضلة العرب وقضيته الأساسية: فلسطين، وظلت الآلة الإعلامية لتنظيم "الاخوان المسلمين" وقطر وتركيا على مدى سنوات توجه أصابع الاتهام إلى الحكام العرب بالتخاذل أو التقاعس أو التهاون، كلما مارست إسرائيل الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني، أو صعَّد الجيش الإسرائيلي من وحشيته وهمجيته ضد أبناء فلسطين، وبقيت النخبة السياسية تشيد بردود الفعل الشعبية في كل حادث أو تطور على الأراضي الفلسطينية، وتؤكد أن فلسطين ستعود بواسطة الشعوب لا الحكام، وأن الحق سيرجع طالما بقيت الجماهير العربية على موقفها الرافض لإسرائيل وأفعالها ومجازرها وإرهابها.
 
حل الربيع العربي وضرب دولاً عربية واحدة تلو الأخرى، ورغم الانتصار عليه في مصر وتحجيمه في دول أخرى، إلا أن خرابه ما زال يدور في ليبيا وسوريا واليمن، وبقاياه تضرب العراق، ورذاذه يهدد الخليج، فانشغلت الشعوب العربية، إما بالاقتتال الداخلي، أو النضال من أجل الحفاظ على مجتمعاتها والتصدي لمؤامرات "الإخوان" وباقي الجماعات الإرهابية الأخرى وكشف محاولات التخريب القطري والتوسع التركي والتمدد الإيراني، بينما غالبية رموز النخبة العربية انقسموا أو حوّلوا البوصلة في اتجاه الدوحة أو أنقرة أو واشنطن أو لندن، وصاروا يبحثون عن إسقاط الحكام العرب في الدول العربية ذاتها بدعوى أنهم تصدوا للربيع وقاوموا التغيير. لم يكن التصعيد الإسرائيلي الأخير في القدس ثم قطاع غزة الأول ولن يكون الأخير، لكنه كشف إلى أي مدى صارت الجماهير العربية "مشغولة" عن القضية الفلسطينية تلهث من أجل حماية نفسها من شظايا الثورات وحمم التظاهرات وجحيم الفوضى والانفلات.
 
صحيح أن فئات من الجماهير العربية صارت لا ترى من حركة "حماس" الفلسطينية إلا مساوئها أو سلبياتها أو أفعالها التي أضرت بالقضية الفلسطينية ذاتها وببعض الدول العربية، إلا أن الشعوب العربية وعلى مدى الزمن، لم تكن تتخذ مواقفها بحسب من يحكم ما تبقى من فلسطين في الضفة أو القطاع؛ وإنما دائماً كانت تناصر الفلسطينيين حتى وإن تحفظت على سياسات قادتهم أو قل خطاياهم، وتنفجر وتتدفق إلى الشوارع مع كل تصرف إسرائيلي إجرامي وتهتف وتتعهد وتتوعد بغض النظر عن مواقف صاحب القرار الفلسطيني.
 
بقيت الشعوب العربية تضغط على الحكام العرب وتدفعهم إلى الحد الأقصى من المواقف الممكنة تجاه إسرائيل وحافظت القضية الفلسطينية على مدى عقود على توهجها وحضورها وتأثيرها داخل كل بلد عربي، حتى أتى ذلك الربيع الذي أطاح بالثوابت وعصف بالمبادئ، واندفع ليأكل الأخضر واليابس ويحرّك النزاعات الطائفية والحراب الأهلي والعراك الفئوي ونشر الفوضى، وخلف مناخاً هو المثالي لتنظيمات كـ"الإخوان" ظلت تسعى على مدى تاريخها نحو مقاعد السلطة ودفع الشباب دفعاً نحو الانضمام إلى تنظيمات إرهابية صارت تصرفاتها جزءاً من البيئة التي نشأت فيها، لكن الربيع العربي زاد من قسوتها وأعدادها وإجرامها.
 
هكذا فقدت القضية الفلسطينية ظهيراً شعبياً مهماً وزخماً كانت الجماهير العربية تمنحه لها مع كل حدث أو تصرف إسرائيلي إرهابي، خصوصاً حين لاحظت الشعوب أن بنادق الإرهابيين وأحزمتهم الناسفة وُجّهت الى الشعوب العربية ذاتها وصوبت نحو الكنائس والمساجد في مدن وعواصم عربية وأن اغتيال ضابط مصري أو شرطي سعودي أو محاولات الإساءة الى الامارات أصبح مجالاً للفخر بين من ظلوا يزعمون أنهم سيزحفون على القدس بالملايين؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم