إعلان

حرب غزة والسلام المستحيل

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
راغب جابر
صواريخ تطلق من غزة باتجاه اسرائيل. أ ف ب
صواريخ تطلق من غزة باتجاه اسرائيل. أ ف ب
A+ A-
 
لن يكون هناك سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. هذا الصراع لا يشبه أي صراع آخر في العالم وطرفاه لا يشبهان طرفي أي صراع في العالم. بدأ هذا الصراع في ثلاثينات القرن الماضي عندما بدأت الحركة الصهيونية تكثف رحلات العودة الى "ارض الميعاد" المزعومة وتقضم بمساعدة قوات الاحتلال البريطاني وبتواطؤ دولي، اوروبي –اميركي خصوصا، الارض الفلسطينية وتغتصبها من أصحابها التاريخيين.
 
كان قيام اسرائيل على أرض فلسطين "هدية" الغرب الأوروبي ليهود العالم تكفيراً عن عقدة ذنب زرعتها الحركة الصهيونية في وجدان اوروبا، وفي الوقت نفسه حلا لما عرف بالمسألة اليهودية المعقدة عبر التخلص من اليهود بترحيلهم إلى أرض يقول لهم كتابهم أن الله وهبهم إياها لإقامة الدولة الوحيدة في التاريخ بناء على وعد إلهي يؤمن به أتباع هذا الدين الذين لا يزيد عددهم في العالم عن عشرين مليون نسمة.
 
منذ قيام اسرائيل تحولت المنطقة ساحة حروب ما تكاد تتوقف على جبهة حتى تندلع على جبهة أخرى. لم تكن كل المبادرات والاتفاقات لتنهي الصراع. قد تكون نجحت في تحييد بعض الجبهات والبلدان لكنها لم تنجح في بقعة الصراع الحقيقية، فلسطين.
 
مبادرات متتالية أسقطتها اسرائيل أبرزها قرار مجلس الامن 242 بعد حرب حزيران(يونيو) 1967 الذي نص على انسحابها من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب ثم مبادرة روجرز الاميركية الشهيرة المبنية على القرار نفسه، إلى مبادرة الامير فهد بن عبد العزيز عام 1981 الى مبادرتي الرئيسين جيمي كارتر ورونالد ريغان قبل اجتياح لبنان وبعده عام 1982، إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، فاتفاقية أوسلو عام 1993، الى مبادرة الرئيس بيل كلينتون عام 2000، الى المبادرة العربية عام 2002، الى مساعي وزير خاجية باراك اوباما جون كيري. وغيرها الكثير من الأفكار التي طرحتها دول وشخصيات عربية ودولية على مدى تاريخ هذا الصراع.
 
لم تكتف اسرائيل بإفشال المبادرات المتتالية منتقلة الى استراتيجية تقضي بإخراج دول المواجهة العربية من الصراع، فعقدت اتفاقية كامب ديفيد مع مصر بمبادرة اميركية قادها الرئيس جيمي كارتر عام 1978 اعادت بموجبها صحراء سيناء الى مصر ومعها إعادة فتح قناة السويس امام حركة الملاحة الدولية. ثم كررت الامر نفسه مع الأردن باتفاقية وادي عربة عام 1994. وهكذا خرجت الدولتان من المواجهة مقابل بعض "العطاءات" الاميركية وتحولات إقتصادية تبين انها لم تكن اكثر من مسكنات ادت الى صعود مد اسلامي متطرف في معظم الاحيان. هذا الخروج، خصوصا خروج مصر، أفقد الجبهة العربية امكان التوازن الاستراتيجي العربي مع اسرائيل. وهكذا، أصبح الفلسطينيون الذين كانت قواتهم العسكرية أخرجت من بيروت الى تونس عام 1982 بعدما أخرجت من الاردن عام 1969 امام واقع جديد بعدما اصبح لهم موطئ قدم في غزة والضفة الغربية عبر ما سمي دولة فلسطين وما هو بدولة أبداً.
 
كان حل الدولتين محور كل الحلول المطروحة منذ قرار تقسيم فلسطين عام 1947 الذي رفضه العرب المصرون على فلسطين من النهر الى البحر. ولما قبل العرب وياسر عرفات بدولة فلسطينية على أراضي الـ 67 تكون عاصمتها القدس الشرقية لم تقبل اسرائيل الا بدولة مسخ في أوسلو. دولة بلا سيادة ولاجيش و سلاح ولا عملة وطنية ولا مطار ولا ميناء ... ولا كرامة. دولة في قطعتي أرض منفصلتين (غزة والضفة الغربية) مربوطة حياتياً باسرائيل التي زرعت في ضفتها الخصبة ذات التاريخ المقدس مستعمرات قطعت أوصالها وعزلت مدنها وأرهبتها بمستوطنيها القدماء والجدد.
 
حرب غزة الاخيرة التي أشعلتها حركة "حماس" رداً على اعتداء المستوطنين على المسجد الاقصى ومحاولة طرد سكان حي الشيخ جراح من القدس القديمة اكدت المؤكد وهو ان كل الاتفاقات السابقة على وقف إطلاق النار ليست الا هدنات هشة قابلة للانفجار في اي لحظة.
 
لن يكون هناك سلام بين اسرائيل والفلسطينيين. ببساطة لان العقلية التي تحكم زعماء اسرائيل هي عقلية حرب وعدم اعتراف بالآخر. حتى الآن تكذب اسرائيل ورغم كل الحقائق لا تزال تصر على مواقف فقدت صدقيتها في كل مكان. فمن يصدق اليوم ان اسرائيل قامت على ارض بلا شعب. من يستطيع ان يلغي حقيقة وجود شعب من 8 ملايين شخص اقتلع بالقوة وشرد خارج بلده. ان شخصيات منفصمة عن الواقع ومغالية في الكره والعدوانية والانكار مثل بنيامين نتنياهو او بني غانتس أو أفيغيدور ليبرمان لا يمكن أن تبني سلاماً مع أحد وستقود اسرائيل الى حروب دائمة.
 
العدوانية المفرطة والانكار الاسرائيلي المتمادي لوجود الشعب الفلسطيني وحقه في دولة كاملة الاوصاف، لن يؤديا إلا الى مزيد من التصلب الفلسطيني. ليس محمود عباس المحمي اسرائيلياً رجل الفلسطينيين. لقد أنقذته إسرائيل من هزيمة انتخابية برفضها اجراء الانتخابات في القدس مقدمة له ذريعة ذهبية لإلغاء الاستحقاق الذي كانت "فتح" ستخوضه بثلاث لوائح متنافسة.
 
في مقابل التطرف الاسرائيلي تصعد "حماس" و"الجهاد الاسلامي" مدعومتين من محور إيران وتمتلكان سلاحاً وصواريخ متطورة وقرارا بالحرب. لكن الامر ليس فقط "حماس" و"الجهاد". انه الشعب الفلسطيني الذي حشر في غزة والذي يذل كل يوم في أراضي الـ48. هذا الشعب الذي اكتشف ان حياته تحت الاحتلال الذي يعتدي كل يوم على املاكه ومنازله وكرامته ليست أفضل من الموت.
 
الفلسطيني في الداخل اليوم لا يريد فقط ان "يعيش". لقد ادرك مصادر قوته الكامنة في روحه وفي نفسية الانتصار بعدما أيقن ان اسرائيل ليست غير قابلة للكسر والهزيمة رغم الفوارق الهائلة في الامكانات العسكرية والمادية. اسرائيل "القوية" ضعيفة أيضاً. ضعيفة بعقم خيال سياسييها وبرعونتهم وبتطرفها وعنفها المفرط الذي لم يعد مقبولا عالميا رغم التأييد التقليدي لها من الولايات المتحدة ومن المانيا المفرطة في شعورها بعقدة الذنب تجاه اليهود ومن فرنسا وهولندا. هذا التأييد الذي تتصاعد موجة الاعتراض عليه داخل هذه البلدان، لا سيما داخل الولايات المتحدة والتي عبر عنها ابلغ تعبير المرشح الرئاسي السابق برني ساندرز الذي دعا الرئيس جو بايدن الى النظر الى ما يعانيه الفلسطينيون جراء العدوان الاسرائيلي. ضعيفة في نظر الاسرائيليين أيضا الذين بدأوا يفقدون الثقة بجيشهم الذي لا يقهر وباستخباراتهم التي كانت تعرف بدبيب النمل في غزة والضفة وعلى الحدود.
 
حرب غزة الحالية تفرض على اسرائيل وعلى العالم حقائق لا يمكن تجاهلها. لا الموت ولا الدمار سيوقفان التسلح والقتال. اسرائيل لم تعد آمنة لا للمهاجرين ولا للسياح ولا للمستثمرين. كلفة الحرب ستكون كبيرة جداً وتتجاوز العشر مليارات دولار. الصواريخ المصنعة في غزة تفرض نوعاً من توازن الرعب الذي سيستوي يوماً بعد يوم. الاصوات "الخائفة" على مستقبل اسرائيل ومصيرها تعلو في الداخل. بعضهم يرى ان اسرائيل ذاهبة الى نهايتها القريبة وبعضهم يعتقد ان استمرار العنت والعنف وانكار حق الفلسطينيين والاعتداء  عليهم لن تؤدي الا الى التفاف الفلسطينيين حول أي جهة تدافع عنهم.
 
ستدمر اسرائيل أنفاق غزة وتضرب مصانع الصواريخ وتقتل كوادر "حماس" و" الجهاد" وقد تقضي على قيادتي الحركتين وتسقط كل معالم غزة ومؤسساتها. لكن ذلك لن يضع حدا للحرب. ليست هذه الحرب الاولى. لقد دمرت غزة مرات قبلها ولم ترم السلاح بل ازدادت تسلحاً كما ونوعاً. سيكون هناك دوماً من يقاتل، وسيفرز هذا الصراع دائما منظمات تقاتل، من أي مصدر كان السلاح.
 
الطرفان محكومان بالذهاب الى الحد الأقصى لأن القضية تمس الوجود. لذلك السلام مستحيل.







 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم