إعلان

هل يغفر لك النّاسُ نجاحكَ؟

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-
 لا لستُ مخطئاً في العنوان. لقد قصدْتُ أن أسألَ عن غفران النّاسِ نجاحكَ، وليس عن غفرانهم فشلكَ. النّجاح مسألةٌ مثيرة للاهتمام منذ أن كان الإنسانُ وكنّا. النّاجحون يتركون بصمةً في حياة من حولهم، مِقدامون، مُصمّمون، ومُثابرون في أثناء القيام بمهماتهم. مهمّاتهم تأتي في إطار رؤية، وهم يرتقون بها إلى مصافّ الرّسالة بمعنى الـ Mission. قلبُهم مُلتهب في ما يعملون، وذهنُهم مُرافقٌ لقلبهم طوال الوقت. يشبكون علاقاتٍ مع النّاس بسهولة. ثقة النّاس بهم ليست صعبة المنال.
 
في كلامي هذا أنا أفصلُ ما بين النّجاحِ وصنع المال، إذ إنّك قد تكونُ ناجحاً من دون مالٍ وفير، كما يُمكنُ أن تكونَ ذا مالٍ وفير من دون أن تكونَ ناجحاً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. 
 
في مرّاتٍ كثيرة أسألُ نفسي: "هل ندفعُ نحنُ ثمنَ فشلنا أكثر، أو ندفعُ ثمنَ نجاحنا أكثر؟ للفشلٍ أثمانٌ ولا يُمكننا أن ننكرَ ذلك. وللنّجاحِ ثمنٌ باهظٌ، ونُكرانُه ليسَ حسناً. في النّجاحِ أنتَ تدفعُ أثماناً إذْ يأتي النّجاحُ على حسابِ صحّتِكَ في بعض المرّات، وعلى حساب الوقت الذي تقضيهِ مع عائلتِكَ، وعلى حسابِ أعصابِكَ أيضاً، إذ في كثيرٍ من الأحيانِ تُسبّبُ لكَ الطّريق إلى النّجاحِ توتّراً ناتجاً من قلقٍ. لكن بكونَك ناجحاً وإيجابياً وصبوراً، فأنتَ تستطيعُ أن تتعاطى مع هذه التحدّياتِ برحابة صدرٍ وانفتاح ذهنٍ.
 
لكن الثّمنَ الأكبر للنّجاح يأتي من حيثُ لم تستشعرْه. هذا الثّمن باهظٌ في كثير من الأحيان، وهو عدمُ غفران النّاسِ لكَ نجاحكَ. في نظر البعض، ولا أقول الكلّ لئلا نقعُ في عقدة paranoia، هم ينظرون إلى نجاحكَ كخطيئةٍ أنتَ ارتكبتها. إذا سألتَهم، لماذا يُعادونكَ، يجدونَ لكَ أكثر من سببٍ. يُذكّرونكَ بأمورٍ قلتَها أو قراراتٍ أخذتَها اعتبروا أنفسهم أنّهم تضرّروا منها. لكن في الواقع، هم لا يغفرون لكَ نجاحكَ بسبب ذلك، بل هُم لا يغفرون لكَ خطيئتكَ بالنّجاح لأسبابٍ أخرى. نجاحُكَ في مكانٍ ما، قد يُذكّرهم بفشلهم. لعَلّ أحدَهم يعتقد أنّه بذلَ جهداً كبيراً لتحقيق أهدافٍ مشروعة، لكنّه لم يتوفّق في تحقيق ذلك. وهو ينسُبُ فشلهُ في تحقيق الأهداف إلى الظروف السياسيّة والأوضاع الاقتصاديّة وتنكُّر النّاسِ له، فلم يدعموه. لكن عندما ينظرُ إلى نجاحكَ، هو يُدرك أنّك نجحتَ في الظّرف ذاته ومن خلال المعطياتِ نفسها. لماذا حصلَ نجاحٌ هنا وفشلٌ هناك؟ هذا هو السؤال الذي لا يجد له جواباً مقنعاً أو مبرِّراً، فيفتريَ عليكِ لكي يُقنعَ نفسه ومن حولهُ بأن فشلَه لم يكن هو مسبّباً به. 
 
ليسَ ذلكَ فحسب، بل زِدْ على ذلك أن نجاحكَ يُسبب شيئاً من الغَيرةِ تصلُ إلى حدّ الحسدِ في بعض الأحيان. الغَيرةُ هي شعورٌ سلبيٌّ سببهُ اعتقادُكَ أنّ أحداً ما يسرقُ منكَ ما هو لكَ. أمّا الحسدُ، فهو شعور سلبيٌّ سببه أنَّ أحداً يملكُ ما لم تملكهُ أنتَ يوماً. هناكَ خيطٌ رفيع بين الغَيرةِ والحسد. في موضوعنا هذا، أرى مكاناً للحسدِ أكثرَ مما أراهُ للغيرة. هو يحسدُكَ لأنّه ضعيف. نحن، وفي مرّاتٍ كثيرة نُريدُ أن نعتقدَ أنّ الحسودَ شرّيرُ وأنّه يخبّئ نيات شرّيرة تجاهنا. لا أريدُ أن أجادلك في هذه القناعة، لكنّي مقتنع بأنّ الحسودَ هو إنسانٌ ضعيفٌ، هشٌّ، لم تُنصفهُ الحياة في نوعيّة أهلِه الذينَ ربَّوه، وفي نوعيّةِ المدرسةِ التي ذهبَ إليها. طبعاً الضّعف لديهِ لم يكن في مرحلة البداياتِ بهذه الحدّة. لكن عدمَ إدراكِ والدَيه لبعض الأمور التّربويّة، وعدم قدرة مدرستهِ على تنمية شخصيّتهِ، أوقعاهُ في المشكلة المتنامية وهي الحسد. 
 
لكنك إذا نسبتَ عدائيّة كلّ النّاس لكَ إلى هذين العاملَيْن، فأنتَ نفسُكَ تقع في خطأ كبير. لماذا؟ أوّلاً لأن عدائيّة النّاس لك إذا ما كبُرت وأصبحت شاملةً، عليكَ أن تسأل نفسكَ سؤالاً حقيقيّاً هو: "ماذا فعلتُ أنا لكي أُثير لدى كلّ هؤلاء هذا الكمّ من الغضب نحوي"؟ النّاجحُ له أصدقاء وأحباب أكثر ممّا له أعداء. إذا كَثُرَ عددُ الأعداء إلى درجةٍ اختفى فيها الأصدقاء، عليك أن تكونَ واقعيّاً وأن تُدرك أنّك لعلّكَ تسببّتَ لنفسكَ بذلكَ كلّه. وأمّا السّبب الثّاني فهو يكمنُ في احتمالِ أن تكون كبرياؤك التي أتت مع النّجاح، هي سببُ كره النّاس لكَ. النّاجحونَ في مرحلة البدايات أصحابُ عزيمةٍ، متوقّدونَ، يُحبّون النّاس، يركضونَ، إذا جاز التّعبير، وراء الآخر ليدعموه، وليحبّوه وليقدّموا له العون. لكن بعض النّاجحين، وأقول البعض وليسَ الكلّ، "بْتِكْبَر الخسّة براسن"، فيبدأون بالمكابرة والتّعجرف ويصلون إلى حالةٍ أُحبُّ أن أُسمّيها "الانتفاخ". هذه الحالة تُشكّلُ سبباً كافياً لأشخاصٍ كثيرين لكي يكرهوك ويتعاطَوا معكَ بعدائيّة. في هذه الحالة نجاحُكَ لم يكنْ هو السّبب. 
 
أنت ناجحُ، وفي طريقك إلى تحقيقِ نجاحٍ أكبر، عليك أن تدرك أن ما يقوله النّاس فيكَ، بقدر ما هو مهمٌّ إن كنت مخطئاً، بقدر ما هو غيرُ مهمٍّ إذا لم تكن منتفخاً أو عدائيّاً في نجاحكَ. كلُّ ما على النّاجح أن يفعل إذا كان في المكان الصّحيح والسّلوك القويم في النّجاح، هو الاستمرارُ بالرّسالة بالزّخم عينه والإرادة ذاتها. لا تفعل ذلك على قاعدة: "الكلاب تنبح والقافلة تسير". إذا كان هذا هو موقفكَ فأنت مكابرٌ ومحقّرٌ للنّاس. الموقف الصّحيح هو أن تُكمل سعيكَ على قاعدة: "يا جبل ما يهزّك ريح". 
 
إذا كنتَ ناجحاً، قد لا يغفر لك النّاس نجاحك. وإذا لم تغفرَ أنتَ لهم عدم غفرانهم، فأنت تقعُ في مشكلةٍ أكبر من مشكلتهم. تذكّر دائماً أن الثّمن الوحيد الذي قد تدفعه لنجاحكَ لا يتعلّقُ بعدائيّتك للنّاس، إذْ هو يتعلّقُ بما تدفعهُ أنتَ بينك وبين نفسكَ من تعب، وقلقٍ، وتوتّرٍ في بعض المرّات في علاقاتكَ مع نفسِك ومع أحبابكَ. كُلُّ الأثمان الأخرى لا تتعلّق بثمن النجاح الحقيقي. لا تلتفِتْ كثيراً إلى الوراء لكي تتأكّد إذا ما غفرَتْ لكَ الناس نجاحك أم لم تغفرْ.  
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم