إعلان

البيت الطائفي مقابل حماية النظام في العراق

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
مقتدى الصدر
مقتدى الصدر
A+ A-
لأنه كان قد عُرف بخفته في القفز بين الحبال فقد جاءت ردود الأفعال على دعوته للعودة إلى الخنادق الطائفية باردة.
 
رجل الدين الشيعي الشاب مقتدى الصدر سبق له وأن رفع هويته العراقية العابرة للطوائف في إعلان لتمرده على التحالف الشيعي الذي كان يضم أحزاباً وكتلاً سياسية معظمها يدين بالولاء إلى إيران. ها هو اليوم يتراجع عن ذلك الإعلان ليعلن عن موقف جديد، هو أشد صراحة في انحيازه الطائفي من طائفية الآخرين.
 
يعود الصدر بالعراق إذا أتيحت له الفرصة في سياق تحوله الجديد إلى المربع الأول كما يُقال. تلك عودة ستكون مشحونة بمخاوف عديدة يقف الاستقطاب الطائفي في مقدمها وهو ما يمكن أن يحظى بدعم الميليشيات التي ستتمكن حينها من الاستمرار في بسط سيطرتها على الكثير من المدن الصغيرة والتمدد داخل المدن الكبيرة تماهياً مع الدعوة إلى حماية المذهب.
 
وعبر هذا التحول يعتقد الصدر أنه سيسبق الآخرين في اتجاه إيران التي بدأت تطلق إشاعات الأمل بقرب عودتها إلى السوق النفطية والرفع التدريجي للعقوبات عنها. ومن ثم عودتها إلى المنطقة بكامل عافيتها. سيكون الصدر حينها جاهزاً لتمثيل دور الابن الوفي الذي لم يخف من التهديدات الأميركية المبطنة.
 
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن ما قام به أتباع الصدر من أعمال عنف وهم يتصدون للمحتجين في مدينة الناصرية والتي جاءت بالتزامن مع تعبيره عن الرغبة في أن يكون الحكم من حصته في المرحلة المقبلة، قد كشف عن شعور عميق بالعزلة والانفصال عن الواقع الشعبي الذي تجاوزه وهو ما لن يستطيع أحد من المشاركين في العملية السياسية أن يجاريه بالرغم من الصمت الذي أطبق على الجميع. لذلك سعى الصدر إلى أن يقلب المعادلة كلها من خلال التهديد في إمكانية عودة الحرب الطائفية إذا لم تسمح له الأحزاب بإدارة الحكم وترؤس الحربة التي تتصدى لما صار يعتبره أعمال شغب تشكل خطراً على استمرار النظام الذي اقامته الولايات المتحدة ورعته إيران.
 
تكفل الصدر بحماية النظام مقابل تسلّم الحكم في مرحلة ما بعد الانتخابات التي يعرف أن الأحزاب ستكون قادرة على تزوير نتائجها لصالحه.
 
قبل سنوات كان الصدر أول الهاربين احتجاجاً من التحالف الوطني الشيعي وهو اليوم أول العائدين إليه. ما معنى ذلك؟ 
يرغب مقتدى الصدر في أن يمثل دور المنقذ للبيت الشيعي. ولكن الفكرة تنطوي على الكثير من الخيال المريب. فالبيت الشيعي الذي اخترعه شخص لطالما ادعى العلمانية هو أحمد الجلبي لم يكن يملك مقومات البقاء بسبب تضارب المصالح بين أعضائه. وهي مصالح لا صلة لها بالمذهب بقدر ما تعبر عن الغنائم التي حصل عليها كل طرف بعد الاحتلال الأميركي.
 
وبالرغم من طرافة فكرة الصدر التي تقضي بالعودة إلى لحظة الصفر، هناك حيث تشعر الأحزاب الشيعية بالخوف، فيلتم بعضها على البعض الآخر، فإنها تمثل نوعاً من التفكير السطحي لحل المشكلة في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية بسبب انتشار كورونا وانخفاض أسعار النفط. 
 
سيكون الصدر كمَن استفاق متأخراً. الرجل الجاهل بالسياسة سبقه أميون مثله بعالم السياسة إلى مناطق صارت تؤهلهم لحكم العراق من غير العودة إلى أفخاخ الطائفية الملغومة. فبعد الحروب الداخلية التي شهدها العراق والتي حسمت كلها لصالح الفريق الحاكم، وهو شيعي لم تعد هناك حاجة إلى البحث عن أسباب مقنعة تفرض من خلالها الأحزاب الشيعية ما تسميه بحقها المشروع في الحكم. ليس هناك مَن ينافسها لكي تباريه في السباق الطائفي بعد أن تسلم قيادة الطرف "السنّي" في نظام المحاصصة أشخاص نفعيون ليست لديهم شروط إلا في ما يتعلق بإدارة مصالحهم الشخصية.
 
لقد انزاح شبح الخوف من فقدان الحكم والذي كان سبباً في لجوء الأحزاب الشيعية إلى اقامة ما سمي يومها بالتحالف الوطني. لذلك، فإن الأحزاب الشيعية لا تنظر إلى الدعوة التي وجهها الصدر بشيء من الجدية غير أنها لن تقف ضدها علناً. ذلك لأنها أي الأحزاب ترغب في أن يحرق الصدر ورقته الأخيرة. فالتخندق الطائفي الذي دعا إليه الصدر صار يشكل بالنسبة إلى الشعب العراقي إشارة حرب ينبغي عدم العودة إليها.
 
وهكذا يكون الصدر الذي كان يخطط للسيطرة على الدولة العراقية قد لعب لعبة ميتة. لن تلتف حوله الأحزاب الشيعية لتبارك دعوته في الوقت الذي سيخسر فيه المزيد من شعبيته. 
كان عليه أن يتوقع أن يتخلى عنه الآخرون الذين يكرهونه. ولكنه ارتجل موقفاً كعادته ليحرجهم. وكان هذه المرة على خطأ كبير. فالأحزاب تعرف ما الذي ينتظرها في الانتخابات المقبلة، وهي تدرك جيداً أن العودة إلى الاصطفاف الطائفي سيؤدي بها إلى أن تفقد ما تبقى لها من رصيد شعبي.
 
أما أن يكون الصدر قد راهن على الطائفية هذه المرة للوصول إلى الحكم، فما ذلك إلا محاولة يائسة منه للنبش في مواقع مهجورة أملاً في أن تستيقظ أشباحها من أجل أن يدفع عامل الخوف المترددين للجوء إلى الخيار الطائفي بحثاً عن حماية مفقودة.
 
ولكن سوء الحظ سيكون هذه المرة في انتظاره حين يكتشف أن الأحزاب والشعب يمكن أن يتفقا على نقطة وحيدة تتمثل في النظر إليه باعتباره كائناً شاذاً. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم