روتينٌ يومي رتيب...

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-
كاذبٌ من يقول إن رياح حركة "مي تو"، وكل الحركات التي انبثقت عنها ووُلدت بعدها، لم تهبّ نحونا في العالم العربي، وتحرّك المياه الراكدة حول الـ "ريب كلتشر" لدينا، أو الثقافة السائدة المطبّعة للاعتداء الجنسي. 
 
لقد بتنا نتحدث أكثر من أي وقتٍ مضى حول الضحايا النساء، ومع الضحايا، وعن الضحايا، أولئك اللواتي لم يحصلن حتى على رفاهية أن يصرن مجرد أرقام وإحصائيات كما يحدث في الغرب. بتنا نتحدث عن الظروف التي أحاطت بهن، والمسيئين الذين اعترضوا طرقهن، والتخاذل الذي كوفئن به في البيوت ومراكز الشرطة والمحاكم.
 
ولكني أشعر أحياناً بأن لاستيعاب مدى اتساع ورسوخ ثقافة الاغتصاب، علينا رؤية تأثيراتها على الحياة اليومية الاعتيادية الرتيبة لكل امرأة، حتى تلك التي لا تمتلك بالضرورة قصةً مروعةً ترويها. 
 
لننظر كيف تلقي هذه الثقافة بظلالها على أتفه مناحي عيش المرأة حتى وإن لم تكن تُصنف كضحية. لننظر إلى كل التدابير والاحتياطات التي تتخذها من دون تفكيرٍ كما لو صارت حاسةً سادسةً لديها. 
 
لنتفحص خيوط النسيج النحيلة التي تصنع هذه الثقافة...
 
فلنتحدث عن مخاوفنا من الخروج وحدنا ليلاً، عن تفادينا لوضع سماعات الأذن لئلا تفقدنا انتباهنا لأي حركةٍ مباغتةٍ من خلفنا. لنتحدث عن تكتلنا في ثنائياتٍ أو مجموعاتٍ عند السفر لضمان حماية أنفسنا. لنتحدث عن اكتفائنا بالوقوف عند عتبات أبواب المحال التجارية عندما نكون في جزءٍ غير آمنٍ من المدينة.
 
لنتحدث عن دسّنا لمفتاح السيارة بين أصابعنا حينما نعبر موقف سياراتٍ فسيحٍ في حال اضطرارنا لاستخدام الجزء المدبب منه كسلاحٍ. لنتحدث عن ملاصقتنا للصديقة التي أفرطت في الشراب ذات أمسيةٍ لحمايتها من الساعين لاغتنام الفرصة.
 
لنتحدث حتى عن تسارع نبضات قلوبنا غير المبرر حينما نمشي ليلاً على الأرصفة، فنستشعر وجود خطواتٍ خلفنا في أعقابنا. لنتحدث عن الخوف من الرجال الغرباء، على الرغم من أنهم يشكلون نصف سكان الكوكب!
 
وباستطاعتي شخصياً أن أختزل هذه الثقافة السائدة في حادثةٍ مررت بها أثناء ممارستي لمهنتي الصحافية، إذ كنت أسير وحدي في جزءٍ معتمٍ نسبياً، وخالٍ تماماً، من أحد الأندية الرياضية، لمّا رأيت على الجدار انعكاساً لظلٍ ذكوريٍ مهيبٍ. واصلت السير، فإذا به لا يزال خلفي.
 
وأعترف بأنني لم أتحلَّ بالشجاعة الكافية لأن أدير وجهي نحوه. أثقلتني حقيبة جهاز اللابتوب على كتفي، وكأنما صارت تحمل كل تساؤلات المشككين، والذين سيديرون إصبع الاتهام نحوي في حال "وقوع الفأس في الرأس":
 
هذه هي ضريبة الاستقلالية التي تنشدينها. لماذا وافقتِ على العمل ليلاً؟ لماذا عملتِ في مهنةٍ مختلطةٍ غير تقليديةٍ تجلب لك المتاعب؟ ماذا توقعتِ؟ أنتِ لم تعودي جديرةً بهذه الحرية. 
 
شعرت بثقلها عليّ، وعليّ وحدي. فركضت. ركضت كالطفلة المذعورة، ولم أتوقف إلا حينما سمعت قهقهته.
"أنا فلانٌ"، هتف زميلي. "ما بكِ فزعت هكذا؟"
 
لم يفهم... لن يفهم.
الكلمات الدالة