التّجربة المغاربيّة في مواجهة الإرهاب بين الإبداع والإلهام

المصدر: النهار العربي
منير أديب
من تفجيرات الدار البيضاء
من تفجيرات الدار البيضاء
A+ A-
تجربة المملكة المغربية في مواجهة ظاهرتي الإرهاب والتطرف من أهم التجارب العربية الملهمة على مستوى منطقة الشرق الأوسط، فقد نجحت في الانتقال من خانة الدولة التي تحتل المرتبة السابعه بين الدول التي كانت تُصدّر مقاتلين لتنظيم ما يُسمى "داعش"، والتي اكتوت بنار الإرهاب من خلال عمليات إرهابية عدة، منها تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 وتفجيرات مراكش عام 2011 وغيرها، إلى الدولة التي باتت تحتل الآن مركزاً متأخراً في مؤشر الإرهاب العالمي، بينما تحتل مركزاً متقدماً بين الدول غير المهددة بالإرهاب أو الآمنة.
 
نجحت المغرب عبر سنوات قليلة في التصدي لظاهرتي الإرهاب والتطرف، حتى باتت الآن الأكثر أمناً بين جيرانها، وأصبحت هذه التجربة رائدة وتستحق الدراسة والتحليل، فضلاً عن استنساخها وتعميمها بين دول المنطقة العربية والأفريقية التي ما زال أصحابها يعانون من الإرهاب.
 
تأسست التجربة المغاربية على زاويتين مهمتين هما: الاستباق والتحصين، وهو ما نطلق عليه بالمواجهة الأمنية والفكرية، نجحت في تفكيك مئات الخلايا قبل أن تشرع في تنفيذ العمليات التخريبية، حتى حازت إشادات دولية على خلفية قدرتها على تفكيك هذه الخلايا قبل تنفيذها لأي أعمال إجرامية، ولعبت في الوقت نفسه ما يمكن أن نسميه بالتحصين الفكري والديني منذ عام 2005، فكان الحقل الديني مثار اهتمامها ومن خلاله نجحت في مواجهة التطرف.
وما بين الوصول إلى تفكيك خلايا الإرهاب قبل تنفيذ مخططها، وما بين تحصين الفئات المرشحة للانخراط في أنشطة لها علاقة بالتنظيمات المتطرفة، نجحت المغرب في تنفيذ مشاريع تنموية في المناطق المهمشة، التي كانت تمثل بؤرة الإرهاب، ووسط هذه الأدوار قامت المملكة بإعادة تأهيل ودمج المتطرفين داخل السجون حتى يستفيدوا من العفو الملكي، وهنا قتلت الأفكار وقضت عليها فساعد ذلك في اختفاء الظاهرة تماماً.
 
وهنا لعبت المغرب على مسارات المواجهة الأكثر تأثيراً، بداية من تفكيك الخلايا المتطرفة، ثم مواجهة هذه الأفكار وتفكيكها والعمل على تحصين البيئة التي يتولد من خلالها التطرف عبر مشاريع تنموية تحتاج إليها بعض المناطق التي تُفرّخ الإرهاب. 
 
أطلقت المغرب عام 2017 ما يُسمى ببرنامج المصالحة، حيث يقوم على تصحيح وتصويب أفكار المتطرفين كمرحلة أولى، يتبعها عفو ملكي وخروج هؤلاء المتطرفين إلى الحياة بعدما تبدّلت أفكارهم وأصبحت سوية.
 
 يبدو عمق التجربة المغاربية في قدرتها على إنهاء الخصومة بين التنظيمات المتطرفة والدولة، وغلق باب هذه الخصومة حتى لا تظهر الكراهية في الأجيال القادمة القريبة من أسر هؤلاء المتطرفين، وهو ما نسميه بتفكيك الكراهية.. المغرب قضت على خطر هؤلاء المتطرفين حركياً ثم تلت ذلك بالقضاء على الأفكار، والأهم إنهاء حالة الخصومة، خاصة أن الدماء التي أريقت بين الطرفين وسجن هؤلاء المتطرفين قد يجددها في أي وقت.
 
يمكن تلخيص التجربة المغاربية في ثلاث نقاط، أولاها المقاربة الأمنية الاستباقية وثانيتها الإصلاح الديني وثالثتها في إطلاق المشاريع التنموية، والهدف يتمثل في تحويل البيئة الحاضنة للإرهاب إلى بيئة طاردة للإرهاب والتطرف، وهو ما توّجته المغرب في ما بعد ضمن برنامج المصالحة داخل السجون، ويشمل المصالحة مع الذات والمجتمع وأخيراً المصالحة مع النص الديني.

واجهت المغرب الإرهاب من خلال الارتقاء بالحوار داخل بنية المجتمع وكل مؤسساته، الحوار بكل مشتملاته، سواء حوار الثقافات أو الحوار بين الأديان وحوار الحضارات، وهنا أعلت المملكة من قيمة الحوار بينها وبين مواطنيها، وحاصرت من خلال هذا الحوار كل الأفكار المتطرفة، وجعلت من فكرة القضاء على الإرهاب هدفاً أساسياً التفّ حوله المجتمع بأكمله، كما وقفت الدولة بكل مؤسساتها حول هذا الهدف حتى تحقق قعلياً على أرض الواقع.
ونجحت المغرب في حصار ظاهرة الإرهاب في بؤرتها الصغيرة قبل أن تنمو وتزهر، وعملت على متابعة الإرهابيين وملاحقتهم في ما بعد، وعملت على تجفيف المنابع من خلال كل أشكال التمويل، ووسط هذه المواجهة شجعت كل المبادرات الساعية إلى ترسيخ سياسة العفو والمصالحة مع احترام سيادة القانون في الوقت نفسه، فما أبقت وسيلة تمنع أو تحجم الإرهاب إلا وكان لها نصيبٌ منها.
 
أدركت المملكة أنها لن تستطيع أن تحاصر البؤر الإرهابية من دون أن تبذل جهداً في حل المشكلات الداخلية وتحقيق طفره اقتصادية، وهو ما نجحت فيه، وقد نجحت بذلك في الحيولة دون تحقيق العزلة التي أراد هؤلاء المتطرفون أن يفرضوها على المجتمع حتى يصبح فريسة لها، ولم تنسَ أن تتيح المشاركة الجماعية في عملية سياسية فتحت أفق المنافسة وأغلقت الأبواب التي تدخل من خلالها جماعات العنف والتطرف.
 
تم صياغة استراتيجية المغرب لمواجهة ظاهرتي الإرهاب والتطرف بعقد شارك فيه الملك مع المجتمع مع الحكومة، وهو السر الذي ساعد في نجاح هذه التجربة حتى أصبحت ملهمة بين غيرها من التجارب العربية.
الكلمات الدالة