"حزب الله" يُمسك بملف الترسيم ... والنّظام السّوري لا يعترف بلبنانّية المزارع!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
مقر المفاوضات على الحدود اللبنانية الإسرائلية
مقر المفاوضات على الحدود اللبنانية الإسرائلية
A+ A-
 
قبل انطلاق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، الأربعاء الماضي، صدر بيان لـ"الثنائي الشيعي" أي "حزب الله" وحركة أمل يعترض على تركيبة الوفد اللبناني المشارك في المفاوضات. يعتبر هذا الموقف تسجيلاً استباقياً لتطورات متعلقة في هذا الملف، علماً أن رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون حليف "حزب الله" هو الذي اختار أعضاء الوفد العسكري والتقني. وكأن الثنائي الشيعي يقول إن مفاوضات الترسيم تخص الطائفة الشيعية بالدرجة الأولى وفائض قوتها "حزب الله"، إلى حدّ أن الرسالة تعني أن القرار له في النهاية كأنه إعلان استحواذ شيعي على الملف الشائك والحساس.
 
أياً تكن استهدافات البيان، وما إذا كان هدفه إيصال رسالة محددة لا تعني التوجه لنسف المفاوضات، إلا أنها تطرح تساؤلات عمّا يحيط بعنوان المفاوضات من ملفات مرتبطة بحسم مسألة الحدود البرية، خصوصاً في ما يتعلق بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا. المشكلة أن "حزب الله"، واستطراداً حركة أمل، يعتبران أن التوصل إلى اتفاق حول الحدود البحرية وكأنه يخصهما بالدرجة الأولى، انطلاقاً من المنطقة الجنوبية التي يهيمن فيها الحزب ويعتبرها ساحته ومنزله عندما كانت المقاومة تقاتل إسرائيل قبل عام 2000 تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وقبل أن تتحول قوة الحزب الى الإقليم بتدخله في سوريا والمنطقة. هذا يعني أن المفاوضات بالنسبة إلى الطرفين وكأنها شأن خاص، لكنها أيضاً بالنسبة إلى "حزب الله" تحديداً لها حسابات محلية وإقليمية تتصل بمرجعيته الإيرانية، والرسائل التي يمكن أن يبعث بها للتفاوض مع الولايات المتحدة.
 
لا جزم لبنانياً بأن تسير المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل إلى نهايتها، إذ عندما تُطرح مسألة الحدود البرية سيكون هناك من التعقيدات ما لا يُعد ولا يحصى، خصوصاً في ما يتعلق بمزارع شبعا التي يرفض النظام السوري الاعتراف بلبنانيتها، وكذلك قدرة لبنان على استثمار ثروته من الغاز والنفط، وهي مسألة لا تخص فئة من اللبنانيين ولا طائفة بعينها، بل تعني لبنان وسيادته الوطنية. وبينما بدت سالكة المفاوضات في جلستها الأولى، بحضور وفد أميركي ووفد من الأمم المتحدة، إلى جانب الوفدين اللبناني والإسرائيلي، إلا أن المعركة ستبدأ في الجلسة المقررة في 28 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وهي ستنطلق بمخاض لبناني بدأت ملامحه تظهر بالخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون و"حزب الله"، أولاً حول الوفد الذي اعترض عليه الأخير، فإذا لجأ عون إلى حصر الوفد بالعسكريين من دون خبراء في مجال النفط، يكون قد تماهى مع "حزب الله" أو خضع لمشيئته، علماً أن المفاوضات التي ستطول قد تحتاج إلى خبراء في مجالي النفط والغاز، فيما كان اعتراض الثنائي الشيعي قبل الجلسة الأولى شكلياً، لتبيان الوجهة التي ستسلكها الجلسات المقبلة في المفاوضات، وعليه قد تُفتح المعركة وتظهر الخلافات، خصوصاً أن عون يعتبر الملف مع تشكيل الوفد من صلاحياته ويريد تحقيق إنجاز معين في ما تبقى من ولايته الرئاسية لأقل من سنتين، ما دام البلد يعيش حالة انهيار وفي غياب القدرة على تأليف حكومة إنقاذ من الاختصاصيين.
 
النقطة المفصلية حتى الآن، هي أن "حزب الله" الذي أعلن التزامه بما توافق عليه الدولة اللبنانية، يستعد لتأدية دور مختلف مستنداً إلى فائض قوته، فيقدم نفسه مجدداً على أنه يوافق على مسار المفاوضات بشروط يضعها لاحقاً، لكنه مطمئن أيضاً إلى أن أي اتفاق مع إسرائيل حول الترسيم سيُقر لاحقاً في الحكومة وفي مجلس النواب الذي يُمسك به وبمساره الطرف الثاني من الثنائي الشيعي أي "حركة أمل" برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري.
 
الصورة التي ترتسم منذ الآن حول المفاوضات، على وقع الانقسام اللبناني، تشير إلى أن "الحزب" لن يمرر أي اتفاق، أو بمعنى آخر لا اتفاق ما لم يحظ بموافقته، وهو لديه أوراق أخرى يمكن أن يبرزها إذا تغيرت موازين القوى لبنانياً وإقليمياً أو إذا كان القرار الإيراني هدفه عرقلتها في سياق تحسين الموازين في أي مفاوضات إيرانية أميركية، أو حتى من الجانب الإسرائيلي إذا رفع السقف بفتح ملف سلاح الحزب.
 
مسار المفاوضات من الجهة اللبنانية بيد "حزب الله"، وهو الذي يسيطر على الساحة الجنوبية وعلى الحدود بفائض قوة إقليمية، لكن القلق المستمر من المرحلة المقبلة، في ما إذا كانت المفاوضات ستفتح ملف الحدود البرية بما فيها مزارع شبعا، وتلك ورقة يمكن أن يتم استخدامها إلى ما لا نهاية، ما دام يتم الخلط بين تلال كفرشوبا المعترف بلبنانيتها دولياً والتي لا تزال محتلة، وشمال الغجر أيضاً، وبين مزارع شبعا المدرجة ضمن اتفاقية الفصل السورية – الإسرائيلية عام 1974 حول الجولان. فالمزارع، التي لها وضع خاص منذ عام 1967، والتطورات التي حصلت فيها، تفرض على لبنان إعادة النظر في طريقة تعاطيه مع هذه المسألة نحو تصويب الخلل القانوني المرتبط بملفها. لذا قد تكون هذه المنطقة نقطة تفجير للمفاوضات لحسابات غير لبنانية!
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة