الدخيل حين يُبطل الأصيل... "زن" والمسيحية مثالاً

المصدر: "النهار العربي"
حسن إسميك
البوذية-صورة تعبيرية
البوذية-صورة تعبيرية
A+ A-
الخطر الأكبر الذي يتهدد أي دين هو الجمود. فالتلكؤ في التأقلم مع الراهن، والركون إلى القواعد، تماماً كما "نُحتت" قبل مئات السنين، يجعلان الدين لقمة سائغة لمن ينوون به شراً، ويشرّعان أبوابه أمام عناصر دخيلة تتناقض مع جوهره، فتشوهه من الداخل.
 
تلقي سيرة "تسلل" البوذية، وطائفة "زن" إلى الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، المزيد من الضوء على هذه الحالة التي قد تواجه أياً من الأديان السماوية.
 
وأفادت تقديرات مسح المشهد الديني لمنتدى بيو حول الدين والحياة العامة، والمسح الأميركي لتحديد الهوية الدينية عام 2008، بأن نسبة البوذيين في الولايات المتحدة هي 7 في المئة وبأنها لم تتجاوز يوماً الـ 10.5 في المئة. كما ذكرت أن عدد أتباع هذه الديانة ارتفع بنسبة 170 في المئة بين عامي 1990 و2000، ليصل إلى 1.2 مليون شخص عام 2008. واللافت أن معظم هؤلاء ولدوا أصلاً في عائلات تتبع ديانات أخرى غير البوذية، إذ تربى 32 في المئة منهم على أيدي بروتستانتيين، بينما نشأ 22 في المئة ككاثوليك، وفقاً لدراسة بيو نفسها.
 
يُشار إلى أن "زن" (Zen) هي طريقة لفظ الكلمة الصينية Ch'an في اليابان. أما "تشان" فهي النطق الصيني للكلمة السنسكريتية "ديانا"، وتعني تقريباً "التأمل". ومعتقد الـ "زن" البوذية هو مزيج من بوذية ماهايانا الهندية والطاوية. بدأ في الصين، وتمدد إلى كوريا واليابان، حتى أصبح مشهوراً جداً في الغرب منذ منتصف القرن العشرين. وبحسب معلميه، يحاول جوهر الـ "زن" فهم معنى الحياة بشكل مباشر، من دون أن "ينخدع" بالفكر المنطقي أو اللغة. فلا يولي بوذيو الـ"زن" اهتماماً بكتاب مقدس كوسيلة للتعلم، بل يعتمدون طرقاً مختلفة أكثرها شيوعاً نقل التنوير مباشرة من المعلم إلى المريد. وغالباً ما يبدو الـ "زن" متناقضاً، فهو يتطلب انضباطاً شديداً، لأن هذا في رأيهم هو سبيل الوصول إلى عفوية وحرية تامتين. 
 
انتشار كبير 
 
لم يلقَ "زن" الاستحسان على نطاق واسع في الولايات المتحدة، رغم وصوله إليها في وقت مبكر، حتى روّج له هناك الباحث الياباني د. ت. سوزوكي، الذي كان ذكياً في تطويع موضوعات هذا التوجه لتصبح موضع اهتمام الجمهور الأميركي وإعجابه. فاهتم بالتقاليد الغريبة والصوفية العالمية وبعض تطبيقات علم النفس ونظرياته، وهي كلها موضوعات محدّثة وليست من الـ "زن" التقليدي الياباني، ورغم ذلك حرص سوزوكي على الاستمرار في تأكيد التفوق الثقافي والديني الياباني.
 
لقد ساهم الـ"زن" في انتشار البوذية عموماً. ومع أن نسبة صغيرة نسبياً من أتباعه في الغرب تصف نفسها بأنها بوذية، فإن ذلك الجزء من العالم أصبح أكثر تقبلاً لهذه العقيدة الشرق آسيوية وانفتاحاً عليها، خصوصاً مع تزايد عدد المشاهير الذين اعتنقوا الـ "زن" البوذي، واتساع نطاق شعبية الدالاي لاما الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1989، وكثرة المنشورات البوذية في الثقافة الشعبية، وشيوع ارتداء المسابح من خرز مالا للتأمل على شكل أساور تلتف حول المعاصم. يشير كل هذا الى أن "زن" والبوذية باتا يمثلان عنصراً يحظى بالقبول في الحياة الأميركية والغربية. في هذا السياق أشار المحاضر في أديان العالم بجامعة هارفارد كريستوفر كوين، إلى أن تأثير البوذيين الكبير لا يتناسب أبداً مع عددهم في البلاد!
 
أما نجاح معتقد "زن" في أداء دور مهم لجهة تشجيع الغرب على تبني البوذية، فيعود إلى أسباب عدة، من أهمها توفيره شعوراً بالأمان في زمن الخوف أو القلق أو التوتر التي عانى منها الغربيون بعد الحرب العالمية، سواء كانوا من الجنود الذين شاركوا فيها أو من ضحاياها. كما أن إيقاع الحياة الغربية المتطور اقترن لاحقاً بحالات القلق المرافق للتقدم الحضاري والتركيز على العمل والأداء وتعدد سبل الرفاهية وسهولة العيش، ما أدى إلى ازدياد ما يسمى بـ "الضجر الوجودي" الذي استدعى البحث عن الاطمئنان الذي يوفره الـ "زن" بحسب زعم دعاته ومتبعيه.
 
وقدم "زن" نفسه كأداة "خلاص" تركز على تحرر جوهر الإنسان وتمضي به على طريق التحرر من العبودية نحو الحرية، الأمر الذي حمل كثيراً من المجموعات الفنية والحركات الفكرية على اعتباره مصدراً للإلهام وحافزاً للأنشطة العفوية الحرة التي استقطبت الكثير من الرافضين لنمط الحياة الغربية الحديثة. وفي أميركا تحديداً، تصدرت مجموعة أشخاص مؤثرين تبنّوا مفاهيم "الثقافة الأميركية المضادة"، منهم الأديب جاك كيرواك، والشاعران ألين غينسبيرغ وغاري سنايدر وغيرهم، أنصار "زن" والمروجين له ممن بثّوا أفكار يابانيين، كسوزوكي، عبر أعمالهم الخاصة لنشرها في سياق غربي.
 
ثمة أسباب أخرى أيضاً لا يتسع المقام هنا لذكرها بالتفصيل، غير أنه يمكننا القول إن التعامل مع "زن" على أنه أسلوب حياة وطريق للخلاص، وليس ديناً جذب إليه الكثير من رافضي فكرة الدين أو وجود الإله، أو أولئك الذين عانوا تربية دينية قاسية خلفت في نفوسهم موقفاً مضاداً من الدين ذاته. 
 
أخيراً على هذا الصعيد، كان مبدأ البساطة السائدة في ممارسات "زن" عاملاً مساعداً في اتساع رقعة انتشاره، إذ إن كل ما هو مطلوب بضع دقائق من التأمل في أي مكان كان، من دون الحاجة لزيارة مكان محدد للتعبد (الكنيسة أو المسجد) أو حفظ آيات كثيرة من الكتب المقدسة، أو الالتزام بأية شروط أخرى، كارتداء أزياء معينة أو أداء طقوس محددة.
 
المسيحية والـ "زن"
 
لم يكتفِ "زن" بحمل البوذية إلى الثقافة الغربية عموماً، بل أوصلها إلى المسيحية أيضاً بشكل خاص. وتحولت معتقدات متناقضة تماماً مع جوهر المسيحية إلى أمور مستساغة لدى كثيرين من المسيحيين الأميركيين، والغربيين عموماً، لتصبح جزءاً من حياتهم اليومية. هكذا لم يعد يجد المسيحي مشكلة في الحديث عن تعاليم تناسخ الأرواح، التي تناقض تماماً التعاليم المسيحية المتعلقة بالحياة والموت، أو عن مفهوم "كارما" كقانون أخلاقي أو موزع للعدالة في الكون، يقول إن العقاب أو المكافأة على الأعمال يجري يومياً على الأرض، ما يتعارض أيضاً، وإلى حد كبير، مع فكرة الخلاص ومبدأ الثواب والعقاب بعد الموت في المسيحية. وهذا ما دفع رجال دين مسيحيين ومختصين كثراً إلى التحذير من أن الـ "زن" البوذي يتعارض بشكل مباشر مع الإيمان المسيحي.
 
أما على مستوى تنافر العقيدة بين "زن"، ومن خلفه البوذية، وبين المسيحية، فالله في الأخيرة هو الحقيقة المطلقة، وهو الخالق ولا خلاص إلا بنعمته؛ بينما لا إله لدى البوذية، ولا روح، ولا نقطة انطلاق للخلق، و"الخلاص" في مفهومها ينتج من جهد خاص وفهم عميق لحقيقة "الصيرورة" التي تتعارض مع وجود جوهر سرمدي، وبالتالي فهي لا تعترف بوجود الله.
 
ومع أن المسيحية لا تختلف مع البوذية حول الطبيعة العابرة للوجود البشري في الحياة الدنيا، لكن تقرن هذه الطبيعة مع الثبات الإلهي، إذ تعتبر أن الإنسان وأمنه الوجودي رهن بمشية الله الخالق. وبينما يعتبر البوذي الزهرة الباهتة دليلاً يؤكد عدم الثبات، وهو أحد العلامات الثلاث للوجود حسب معتقداته، فالمسيحي يجد في الزهرة نفسها ما يؤكد الحاجة المطلقة لقوة الله ونعمته. 
 
وقد نبّهت مجموعة من الأساقفة الإسبان إلى أن التأمل الذي تدعو إليه "حركة اليقظة" mindfulness movement (التي تعمل على التوفيق بين الزن والمسيحية) ليس صلاة مسيحية، وحذّروا من محاولات بعض المتدينين المسيحيين اللجوء إلى بعض أساليب "زن" ودمجها مع الإيمان المسيحي كعنصر "مكمل" لعقيدتهم، بغرض تحقيق تجربة أكثر كثافة، من دون التفكير بمدى توافق هذا العنصر مع العقيدة المسيحية والإيمان بالله. 
 
وعلى الرغم من محاولة بعض مؤيدي هذا "الدمج" فصل "زن" كممارسة وتقنيات عن التأثيرات البوذية، باستخدامه فقط على سبيل الإعداد الجسدي أو النفسي للصلاة، بدلاً من "مكمل" للصلاة أو بديل لها، أكّد الأساقفة أن هذا يمثل اختراقاً هدّاماً لجوهر الصلاة المسيحية، فلا يمكن برأيهم "اختزال الصلاة إلى التأمل بهكذا أساليب غالباً ما تتجاهل الفرق بين الذات وما هو خارجي، وبين المقدس والمدنس، وبين الخالق والمخلوق".
 
ختاماً.. أعتقد أن المشكلة التي يطرحها مقالي هذا لا تخص المسيحية من دون غيرها، بل ترتبط بالأديان السماوية كلها. فحين تتغير حياة البشر ومشكلاتهم وظروف عيشهم بوتيرة أسرع من تطور الفكر الديني وخطابه، تجد فئة غير قليلة من أصحاب هذه الديانات مضطرة للبحث عن حلول مشكلاتهم خارج الإطار الديني التقليدي، مما يؤدي بهم أحياناً إلى الخروج عن الدين ككل، والتحول إلى الإلحاد وإنكار كل ما هو غيبي أو سماوي. ومن المؤكد أن حل هذه المشكلة لا يمكن أن يتحقق بتكفير هؤلاء أو تهديدهم بالعقاب في الآخرة، بل بوجوب العمل دائماً على تجديد الخطاب الديني وعصرنته ليكون مواكباً لمشكلات الناس واحتياجاتهم الروحية. ولا أعتقد أن الأديان السماوية كانت عاجزة في يوم من الأيام عن التأقلم، إنما قد يرتبط السبب بقصور فهمنا لجوهر الدين، وتعطيل الاجتهاد فيه، والتمسك الحرفي بنصوصه على حساب تعطيل ملكات العقل والتأويل.
الكلمات الدالة