إعلان

اطاران لاتفاقي سلام مع إسرائيل

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
من مراسم توقيع اتفاقي السلام بين الإمارات والبحرين وإسرائيل
من مراسم توقيع اتفاقي السلام بين الإمارات والبحرين وإسرائيل
A+ A-
هناك إطاران يمكن أن يوضع فيهما اتفاقا السلام اللذان وقعتهما دولة الامارات العربية المتّحدة ومملكة البحرين مع إسرائيل برعاية أميركية. يندرج الإطار الاوّل في امتلاك كلّ من الشيخ محمّد بن زايد وليّ عهد أبو ظبي وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة الصفات القيادية والشجاعة اللازمة من أجل اتخاذ قرارات صعبة. مثل هذا النوع من الشجاعة لا يمتلكه كثيرون من الحكّام العرب الذين لا يعرفون اختيار اللحظة المناسبة للاقدام على خطوة محدّدة تخدم مصلحة دولتهم وشعبهم في المديين القصير والبعيد.
 
امّا الاطار الآخر، فيتمثل في الخلل القائم على الصعيد الإقليمي، وهو خلل ناتج اساساً عن الزلزال العراقي الذي وقع في العام 2003  عندما اجتاح الجيش الأميركي العراق وأسقط النظام القائم... وسلّم هذا البلد المهمّ الى عدوّه التاريخي، أي "الجمهورية الإسلامية" في ايران.
 
من العراق، كانت الانطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني في كل الاتجاهات وصولا الى لبنان الذي يعاني حاليا الامرّين بسبب التدخّل الإيراني عبر ميليشيا مذهبيّة اسمها "حزب الله".
 
لا يمكن تجاهل هذين الاطارين لدى التطرّق الى الدولتين الخليجيتين اللتين قررتا إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل في هذا التوقيت بالذات. ما لا يمكن تجاهله على وجه التحديد هو أنّ التوازن الإقليمي اختلّ كلّيا منذ العام 2003  بعدما سقطت الحدود بين ايران والعراق، وهي حدود تحاول الحكومة العراقية الحالية، برئاسة مصطفى الكاظمي، تحصينها بما يضع حدّا للتغلغل والنفوذ الإيرانيين في العراق على كلّ المستويات. هل ينجح الكاظمي، الذي ليس معادياً لإيران، في مهمته التي رفع فيها شعار "العراق اوّلا"؟ هذا سؤال كبير لا تستطيع الامارات والبحرين تمضية سنوات في انتظار الجواب عنه.
 
ما حصل على أرض الواقع، إن في المشرق العربي أو في منطقة الخليج، كان بمثابة شبه انهيار للنظام الإقليمي الذي قام بعد تفكّك الدولة العثمانية ورسم حدود الدولة العراقية.
كان الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران يعتبر انّ حدود العراق مع ايران هي حدود بين "حضارتين كبيرتين" هما الحضارة العربية والحضارة الفارسية وانّ المحافظة على هذه الحدود هي محافظة على التوازن الإقليمي، خصوصاً أن العراق هو من أعمدة النظام الإقليمي الذي صار عمره نحو مئة سنة. فسّر بذلك تدخل فرنسا الى جانب العراق في العام 1981 إبان الحرب العراقية – الإيرانية لمنع سقوط الحدود بين البلدين.
 
عندما أقامت مصر سلاماً مع إسرائيل ووقعت معها معاهدة في آذار(مارس) من العام 1979، لم يعد احتمال الحرب مع اسرائيل وارداً. ما بقي من شعارات، رفعها الذين يريدون محاربة إسرائيل، هو متاجرة بفلسطين والفلسطينيين تتولّاها ايران التي انضمت اليها تركيا رجب طيّب اردوغان لاحقاً في ممارسة هذه اللعبة. هل على دولة مثل الامارات أن تكون تحت رحمة إيران، التي تحتل ثلاث جزر من جزرها (أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) منذ العام 1971، وأن تسعى الى استرضائها  كي يرضى عنها بعض الفلسطينيين من المزايدين؟ هل عليها انتظار التدخل التركي في شؤونها من زاوية تزعّم تركيا هذه الايّام للتنظيم الدولي للاخوان المسلمين، كي تصبح مقبولة من حركة متطرّفة مثل "حماس" وضعت نفسها في كلّ وقت في خدمة اسرائيل؟
 
كان الخطابان الحضاريان في مضمونهما واللذان ألقاهما في حديقة البيت الأبيض في مناسبة الاحتفال بتوقيع اتفاقي السلام الاماراتي والبحريني كلّ من الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية الاماراتي وعبد اللطيف الزياني وزير الخارجية البحريني دليلاً على إصرار على طيّ صفحة من صفحات الماضي في المنطقة. هناك للمرّة الأولى دولتان عربيتان تعقدان اتفاق سلام مع إسرائيل من دون ان تكونا دخلتا في حروب معها. تفعلان ذلك من خلال نظرة استراتيجية الى المنطقة ككلّ والى ما آلت إليه أحوالها. تفعلان ذلك أيضا في سياق طرح أسئلة ذات طابع مستقبلي مرتبطة بالامن الإقليمي والعلاقة مع اميركا.

ليس خافياً انّ الولايات المتّحدة تفكّر في مستقبل وجودها في المنطقة كلّها، خصوصا في ظلّ تقلّص اعتمادها على نفط الخليج من جهة وانشغالها بملفات أخرى من بينها مستقبل العلاقة مع الصين من جهة أخرى.

هناك دونالد ترامب في البيت الأبيض اليوم. ماذا اذا جاء جو بايدن نتيجة انتخابات الثالث من تشرين الثاني (نوفبمر) المقبل؟ قد يكون بايدن افضل من ترامب او أسوأ منه. ولكن هل يمكن لاي دولة عربية، خصوصا اذا كانت في الخليج دخول رهان على المجهول؟
 
تبقى إسرائيل في نهاية المطاف أحد أهمّ الجسور الى واشنطن بغض النظر عن اسم المقيم في البيت الأبيض. مع إسرائيل، هناك مجال لاقامة علاقات ذات منفعة متبادلة على ارتباط بالتكنولوجيا الحديثة في مجالات مختلفة وأمور أخرى كثيرة كالطب الحديث والابحاث مثلا. الأكيد، سياسياً، انّه سيكون للامارات تأثير إيجابي في الداخل الإسرائيلي للحدّ من الاندفاع في اتجاه قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية.
 
في النهاية، ان التعاطي مع الإسرائيليين يكون إمّا عن طريق الحرب وإمّا عن طريق الحوار. اذا كانت مصر، كبرى الدول العربية، اقتنعت بالحوار ولم تسترجع أراضيها المحتلّة في العام 1967، بما في ذلك طابا، ألآ بعد الحوار، فهل هناك وجود لحرب يمكن ان تدعمها او تنضمّ إليها دولة الامارات أو مملكة البحرين؟
 
جرعة من المنطق ضرورية بين حين وآخر. ما هو ضروري أكثر التفكير في المستقبل وفي كيفية التأقلم مع المعطيات الجديدة في المنطقة، إن في المشرق أو في الخليج. قد ينجح العراق في وضع أسس لعلاقة طبيعية مع ايران يوما. لكنّ الخطرين الناجمين عن العدوانية التركية والمشروع التوسّعي الإيراني يبقيان ماثلين ويفرضان الحيطة والحذر، بما في ذلك التخلّص من عقدة كيفية التعاطي مع إسرائيل وغير إسرائيل.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم