إعلان

ترحيب فرنسي بإجراءات الرّئيس التّونسي... لكن ماذا بعد؟

المصدر: النهار العربي
رندة تقي الدين
الرئيس قيس سعيد
الرئيس قيس سعيد
A+ A-
لدول المغرب العربي علاقات وروابط تاريخية قديمة بفرنسا، على اختلافها بالنسبة الى كل من هذه الدول. في تونس، بعد الخبطة المؤسساتية التي أجراها الرئيس قيس سعيد في 25 تموز (يوليو)، حين تخلص من رئيس حكومته هشام المشيشي وسدّد  ضربة قاضية لرئيس حزب "حركة النهضة" الإسلامي راشد الغنوشي، الذي كان لمدة عشر سنوات يدير الثورة التونسية التي أطاحت نظام زين الدين بن علي، تنظر باريس بارتياح الى ما حصل، خصوصاً أنه لاقى تأييداً كبيراً من الشعب المستاء من التعطيل السياسي.
 
كان على الرئيس المنتخب من الشعب في تونس، بحسب الدستور، أن يستمد نفوذه من البرلمان الذي يمتلك "النهضة" فيه أكبر كتلة، وقد تحالف مع المشيشي الذي كان سابقاً مقرّباً من الرئيس سعيد. وقد تعطل العمل السياسي بسبب الخلاف بين الرئيس والمشيشي خلال أزمة كورونا الكارثية في البلد. وتتساءل الأوساط المسوؤلة في فرنسا عمّا سيتبع خطوة سعيد وما يريده الرئيس للفترة المقبلة وما هي خريطة طريقه. والتساؤل لدى البعض فيه شيء من القلق، ففي المرحلة الأولى كانت شريحة واسعة من الشعب مرتاحة الى ما قام به سعيد، لأن التعطيل السياسي في ظل أزمة كورونا كان كارثياً مع وضع اقتصادي ومالي يزداد سوءاً. لكن بعد ذلك بدأت تظهر مؤشرات قلق وتساؤلات شعبية وفي العواصم الخارجية عن المرحلة المقبلة وما سيفعله الرئيس. فقد قام سعيد بخبطة قوية امتنعت فرنسا عن وصفها بأنها انقلاب، علماً أنه ترجم الدستور على كيفه، إذ إنه لا يمكنه استخدام البند 80 من الدستور الذي يعطي سلطات استثنائية للرئيس إلا في حال وجود تهديد لأمن البلد. وهو اعتبر أن تونس كانت في هذه الحالة، ولكن في العادة يتم ذلك عبر المحكمة الدستورية التي تشرّع هذه الخطوة، وبما أنه ليس هناك محكمة دستورية، قرر وحده أن شروط تنفيذ البند 80 تتيح له القيام بذلك من دون استشارة رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة المشيشي.
 
وأوضحت مصادر فرنسية أنه بكل الأحوال لم يكن مجبراً على أن يأخذ برأي الغنوشي والمشيشي، كون هذا الشرط استشارياً فقط. ثم إن الإجراءات التي اتخذها سعيد تذهب الى أبعد مما ينص عليه البند 80. فقد أقال رئيس الحكومة من دون أن يكون الحق له بذلك بحسب البند 80، وعلّق أعمال البرلمان، في حين أن البند 80 ينص بوضوح على أنه خلال تنفيذ البند 80 يبقى البرلمان منعقداً. ورغم ذلك تلقى الرأي العام التونسي خطوته بالترحيب نتيجة التعطيل، خصوصاً أنه لم تكن لسعيد القدرة الدستورية لحل المجلس من دون موافقة حزب الأكثرية، وهو "النهضة" الذي كان رافضاً لحل المجلس.
 
وأدت خطوة الرئيس الى إنهاء التعطيل السياسي، ولاقت ترحيب الرأي العام التونسي. لكن السؤال المطروح لدى باريس والاتحاد الأوروبي هو: ماذا سيفعل بعد ذلك؟ فبعد ثلاثة أسابيع لم يسمّ بعد رئيس الحكومة الجديد. وهو قام ببعض التعيينات لأشخاص مكلفين عدداً من الوزارات، لأن الدستور لا يسمح له بتعيين الوزراء. وامتنعت فرنسا عن اتخاذ موقف من الإجراءات التي اتخذها، لأنها اعتبرت أن قرارات سعيد أنهت تعطيلاً غير محمول، ولأن قراراته حظيت بتأييد واسع من الشعب. في الوقت نفسه ترى باريس أن الوضع القائم حالياً في تونس هو أن الرئيس وحده حالياً يجمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ونظراً الى مدة 30 يوماً هي لتنفيذ البند 80، تمنّت العواصم الأوروبية عودة النشاط البرلماني في 24 آب (أغسطس)، رغم قناعتها بأنه لن يسمح بعودة نشاط البرلمان ونفوذه. وفكرة الرئيس سعيد هي إنشاء لجنة دستورية تضع مشروع دستور جديد في غضون ثلاثة أو ستة أشهر، يقدمه الى استفتاء شعبي. حتى الآن لم يوضح سعيد خريطة الطريق التي يريد السير عليها، ولكن المعلومات لدى باريس تفيد بأنه بعد مهلة الثلاثين يوماً تدخل تونس في مرحلة انتقالية، مع بقاء نشاط البرلمان معلقاً وإنشاء لجنة مراجعة الدستور، على أن يتم تنظيم استفتاء شعبي في غضون ثلاثة أو ستة أشهر على الدستور الجديد. وتتساءل المصادر المسؤولة في باريس والعواصم الغربية عما سيحدث خلال هذه المهلة، وهل يستمر في جمع السلطات كلها، وكيف يشكل اللجنة التي تراجع الدستور، وهل سيضع وحده المشروع الجديد للدستور، أم أنه سيشرك القوى السياسية والاجتماعية وأرباب العمل وغيرهم؟
 
لم تنتقد باريس خطوة سعيد لأنها كانت شعبية، ولكن الأسئلة اليوم عديدة عمّا بعدها. البعض في تونس رحّب بخطوته لأنه اعتقد أنها قد تبعد نفوذ حزب "النهضة"، والبعض الآخر أيّدها لأنه مستاء ورافض للأحزاب السياسية لفشلها منذ عشر سنوات في إدارة شوؤن البلد ومسؤوليتها عن حالته المتدهورة. وتسأل باريس اليوم  عن مشروع الرئيس التونسي الاقتصادي لإخراج البلد من الأزمة. فسعيد أستاذ قانون، وهو اعترف بأنه ليس له أي خبرة في القطاع الاقتصادي. منذ 25 (يوليو) تموز اتخذ إجراءات بديهية بالقول للتجار أن يخفّضوا أسعارهم، والى المصارف أن تخفض مستوى الفوائد، ومنع بعض رجال الأعمال من مغادرة البلد لاتهامهم بالفساد، ولكن هذه ليست سياسة اقتصادية. والحكومة الخارجة كانت قد بدأت التفاوض مع صندوق النقد الدولي. فهل يطلب سعيد من رئيس الحكومة الجديد الذي سيعيّنه أن يستأنفها مقابل تنفيذ إصلاحات غير شعبية؟ لأنه سيضطر الى تقليص عدد موظفي الدولة وهو كبير. وصندوق النقد يضطره  الى خصخصة شركات وطنية عامة، وكل ذلك مناقض لخطاباته الشعبوية. ويخيم الضباب على رؤية باريس والغرب لما يريده سعيد بانتظار تعيينه رئيساً جديداً للحكومة، والمتداول بقوة حالياً هو اسم مديرة مكتبه ناديا أكاشا، وهي أستاذة في القانون معروفة بمعرفتها، ولكن ليست لديها خبرة واسعة في الاقتصاد، إضافة الى أسماء أخرى. فهل سيكون بإمكانه تصحيح الوضع الاقتصادي في البلد؟ وتقول المصادر إن اختياره رئيس الحكومة سيظهر إذا كان الاقتصاد أولوية فعلاً له. ويعتبر عدد من المراقبين في تونس أنه يعتبره أولوية.
الدول العربية الخليجية، لا سيما الإمارات والسعودية، تؤيد سعيد، ومصر أيضاً. فرنسا تنتظر إعلانه خريطة الطريق وتشاوره مع القوى السياسية الأخرى. أما حزب "حركة النهضة" فترى المصادر أن قيادته أعطت تعليمات بالتهدئة وعدم المواجهة مع الرئيس الى الآن.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم