إعلان

الآن... أفغانستان مشكلة الجوار

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
طالبان في كابول
طالبان في كابول
A+ A-
عودة "طالبان" إلى الحكم في أفغانستان ستتمخض عنها نتائج جيوسياسية في جنوب آسيا ومحيطها لا تقل عن تلك النتائج التي أفرزها الغزو الأميركي أواخر عام 2001، عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على نيويورك وواشنطن. 

الدول الست المحيطة بأفغانستان واستطراداً، روسيا والهند، يسود فيها القلق والترقب لما ستؤول إليه الأمور بعد الانسحاب الأميركي ودخول "طالبان" إلى كابول وفرار الرئيس أشرف غاني إلى الخارج "تجنباً لإراقة الدماء" على حد تعبيره.  
 
الولايات المتحدة كان جلَ همها عدم تكرار مشهد سايغون عام 1975، أي إجلاء طارئ وفوضوي للطاقم الدبلوماسي ولفيتناميين جنوبيين متعاونين مع أميركا، من على سطح السفارة الأميركية في فيتنام الجنوبية سابقاً. ولذا، أرسلت الولايات المتحدة أكثر من ألفي جندي لإجلاء الرعايا والطاقم الديبلوماسي الأميركي قبل اقتحام "طالبان" كابول، وجعل السفارة الأميركية، هدفاً لهم.   
 
وليست أميركا وحدها التي أجلت رعاياها وأقفلت سفارتها. بريطانيا ودول أوروبية أخرى فعلت الشيء نفسه، خشية تعرضها لانتقام "طالبان". وإلى الرعايا، تصطحب الدول الغربية ما استطاعت من الأفغان الذين تعاونوا معها في العشرين عاماً الماضية.      
والنقطة الأبرز، كانت الخطأ الذي وقعت فيه الاستخبارات الأميركية من حيث تقديرات أصدرتها عن وصول "طالبان" إلى كابول في غضون ثلاثة أشهر، بينما لم يستغرق الوصول إلى تخوم العاصمة سوى أيام معدودات.
 
أفغانستان تسيطر عليها الآن حركة "طالبان"، لكن ذلك لا ينفي احتمال نشوب حرب أهلية في ما بعد على أسس عرقية ومذهبية، ما سيزيد من بؤس الأفغان العاديين ويرفع أعداد اللاجئين الفارين من الحكم المتشدد لـ"طالبان" أو من الحرب الأهلية.  
وهكذا حسمت أميركا أمرها وتركت أفغانستان لمصيرها، علماً أن عقدين من الوجود العسكري الأميركي، كانا مخيبين للآمال، وتبين عقم الرهان الأميركي على تحويل أفغانستان بلداً ديموقرطياً على النموذج الغربي، وأثبت جهل الإدارات الأميركية المتعاقبة بالتاريخ والثقافة الأفغانيين.  
 
"طالبان" تعود اليوم إلى السلطة ومعها تكبر هموم الدول المجاورة من تحول هذا البلد مجدداً إلى ملاذ آمن للجماعات الجهادية التي تملك أجندات عابرة للحدود مثل "القاعدة" و"داعش". 
 
وليس أدل على ذلك من حالات الاستنفار التي أعلنتها روسيا والمناورات التي أجرتها قبل أيام مع القوات الطاجيكية والأوزبكية على حدود أفغانستان، بينما كانت "طالبان" تبسط سيطرتها على الولايات الشمالية المحاذية لدول آسيا الوسطى. أما إيران فحملت "طالبان" سلامة رعاياها وأطقمها الدبلوماسية في أفغانستان، بينما تستعد لاحتمال تدفق موجة جديدة من اللاجئين إلى أراضيها. كذلك، فإن باكستان التي على رغم تمتعها بعلاقات وطيدة مع "طالبان"، باتت وجهة للاجئين مجدداً. وتراقب الهند، التي لا تجاور أفغانستان مباشرة، هي الأخرى كيف ستنعكس عودة "طالبان" إلى كابول على الجماعات الإسلامية المتشددة في كشمير. أما الصين، فاستقبلت قبل أسبوعين وفداً من "طالبان" لتحذره من إمكان تحول أفغانستان قاعدة لـ"حركة تحرير تركستان الشرقية" الناشطة في إقليم شينجيانغ الصيني المحاذي للحدود الأفغانية.      
 
ومهما أعطت "طالبان" من ضمانات، فإن الشكوك تساور المراقبين من أن أفغانستان قد تتحول مجدداً مركز تخطيط لشن هجمات في الخارج. والتهديد بنبذ أفغانستان وفرض عقوبات دولية على قادة "طالبان"، لن يمنع الحركة من فرض أجندتها المتشددة، وهي تدرك أنه بعد الفشل الأميركي، لن يكون بمقدور أي دولة أخرى إرسال جنودها إلى المستنقع الأفغاني. وتهديد الرئيس الأميركي جو بايدن بتوجيه ضربة عسكرية قوية لـ"طالبان" في حال تعرضت المصالح الأميركية للخطر في العالم، إنطلاقاً من أفغانستان، قد لا يشكل رادعاً للحركة التي تشعر بنشوة النصر.  
 
أميركا رمت كرة نار كانت تحملها بين يديها لمدة عشرين عاماً في وجه الدول الإقليمية. هذه هي أفغانستان اليوم.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم