إعلان

لماذا لم يعد العمل من الـ9 الى الـ5 كافياً؟

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
العنود المهيري
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
ضع صورة عشوائية لجيف بيزوس أو مارك زوكربيرغ. اختر خطاً عريضاً للكتابة، وبألوان لافتة. ودوّن النصائح، أو حتى انسب المقولات إلى مليارديرك "الغافل"، عن إلزامية الاستيقاظ منذ الـ4 فجراً والكدح المتواصل حتى منتصف الليل، لنيل النجاح. ثم انشرها في وسائل التواصل الاجتماعي. 
مبارك؛ لقد أصبحت مروّجاً لآفة الإدمان على العمل. 
 
إنها فلسفة تستشري كالنار في الهشيم، مدفوعة بالندوات الحماسية لرياديي الأعمال، والمصنفات التي تحمل عناوين مثل "كيف تصبح ثرياً". لست أبالغ؛ ذلك العنوان الفعلي لكتاب فيليكس دينيس الشهير.
 
ستأمرك هذه الفلسفة بأن تجعل النجاح ـ والمُختزل في الغنى المادي ـ هاجسك. "اعمل بجد، بل عش لتعمل. اتعب، استثمر، خاطر، أنشئ شركتك الخاصة، وحوّل أفكارك إلى مصادر دخل".
 
إنها تعزز الإنتاجية السامة، أي الهوس بالإنتاج الدائم، فتعيب الراحة، وتنظر بدونية إلى النوم لأنه يقاطع أحلام الثراء! "استغل وقت فراغك في التعلّم واكتساب المهارات"، ستوصيك بحزم.
 
فهي كذلك تفترض أن العمل المستمر نمط حياة متأصل في الإنسان، بينما اكتشف الأنثروبولجيون أن العديد من الشعوب، سواء كانوا السكان الأصليين لحوض الأمازون، أم البدو في صحراء كالاهاري، قنعوا منذ القدم بالاشتغال 4 ساعات يومياً فقط لتحقيق الكفاف.
 
لا غرو إذاً بأنها فلسفة تحتقر العمل من الـ9 إلى الـ5، وتشبّه ساعات الدوام الكلاسيكية بالعبودية. "استقل، كن سيداً لنفسك، وزد رصيدك لا أرصدة الآخرين"، ستوسوس لك. 
 
معارضتي لهذه الفلسفة ليس لأنها تصنّع حمقى يُعرّفون النجاح بامتلاك السيارات الفارهة، ويعصفون بصحتهم للهث خلف الأموال. أحياناً، يجب أن ندع عملية الاصطفاء الطبيعي تأخذ مجراها. كما لا يزعجني التناقض بين تقديسهم المرضي للعمل إذا كان لحسابهم الخاص، واشمئزازهم الشديد منه تحت ظل مدير أو رئيس.
 
ولكن مع كل انتشار تحققه هذه الفلسفة، وكل تغلغل لها في نسيج الثقافة السائدة، فإنها تظلم من لم يشفع لهم سعيهم الدؤوب.
 
حينما تقرن فلسفة إدمان العمل بين الكدح الجاد والثراء، فهي تتجاهل تماماً من يتربص بهم الفقر، أو لا يبلغون البحبوحة المادية المفترضة، لظروف خارجة كلياً عن اجتهادهم في العمل، والذي يكون قسرياً أصلاً في حالتهم لتأمين الضروريات الحياتية الماسة.
تنكر الفلسفة المتفذلكة كل الظروف المحيطة بفقر الأشخاص، أو فشلهم - على الأقل - في اللحاق بالأثرياء. إنها لا تلتفت إلى مستوى التعليم الذي تلقوه بالمقارنة مع "الناجحين"، وندرة الفرص التدريبية أمامهم، وعدم توفّر العلاقات الاجتماعية الميسّرة لوصولهم. إنها لا تعترف حتى بالصدمة المتوالية عبر الأجيال التي يعانيها من وُلدوا لأسر محرومة، فتجعلهم يعلقون في الدائرة نفسها. 
 
اعمل ثم اعمل، فتنجح وتصبح ثرياً".
ألم يطبقها من احدودبت ظهورهم في الحقول، وجرّاء العمل اليدوي الشاق؟ ومن تمتهنهم المصانع، والشركات العالمية، وسلاسل مطاعم الوجبات السريعة؟ ومن يجمعون بين وظيفتين تلتهمان أكثر من نصف ساعات اليوم، ويقبلون بنصف "ويكيند"؟ 


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم