إعلان

مصر: الحوار الوطني وسابقة الأعمال المسيئة!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
البرلمان المصري
البرلمان المصري
A+ A-
على خلفية الحوار الوطني الذي دعا اليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لم يكن سهلاً إخفاء غضب يسود قطاعات جماهيرية اعتراضاً على مشاركة وجوه سياسية اعتبرت أنها مارست سلوكيات وتبنت مواقف لا تختلف كثيراً عن تلك التي يتبناها تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي بما أضر بالدولة وتسبب في تفشي الفوضى في فترة مرت فيها مصر بظروف كادت تهدد وجود الدولة نفسها.
 
والحقيقة أن بعض الناصريين واليساريين والليبراليين المعارضين لحكم السيسي وقفوا على مدى سنوات في الجانب نفسه الذي ثبتت فيه جماعة "الإخوان" تجاه الحكم، وكأن لا شيء تغير، ولا زمن مر، ولا تجارب جرت، ولا محطات يفترض أن تثقل القوى السياسية وتزيدها حنكة وتجعلها تعدل مواقفها وتصوب أخطاءها، أو كأن الخلافات بين تلك القوى و"الإخوان" كانت مجرد تباينات في وجهات النظر حول قضية تافهة أو سطحية أو غير استراتيجية، وليست على دماء سالت ووطن كاد يضيع. دعك هنا من خطاب سياسي وإعلامي تبنته القوى التي تطلق على نفسها صفة "الثورية"، وتضمن أحياناً "انتقادات" أو ربما حتى شتائم لـ"الإخوان" واتهامات للجماعة بركوب الموجة، فالمهم أن المواقف كانت واحدة مهما تباينت العبارات والهتافات، لكن المؤكد أن تلك القوى فقدت الكثير من شعبيتها وما تبقى لها من صدقية نتيجة لاقترابها من مواقف "الإخوان" مهما حاولت التنصل أو الظهور بمظهر معادٍ لهم أو مختلف عنهم. 
 
كان لافتاً أن بعض المعارضين وضعوا شروطاً للمشاركة في الحوار الوطني، وآخرين طالبوا بانتخابات رئاسية جديدة، ووصل الحال الى إعادة تدوير خطاب سياسي لم يعد مناسباً في الوقت الراهن وتجاوزته الأحداث والتطورات وكذلك درجة الوعي التي صار عليها الشعب المصري.
 
معروف أن "الإخوان" غير مبتكرين، وينقصهم دائماً الخيال، سواء أكانوا في الحكم أم عادوا إلى الإرهاب، وتجربتهم في حكم مصر لا تحتاج إلى براهين أو أدلة على الفشل، كما أن أداءهم بعدما خلعهم الشعب عن السلطة لا يحتاج إلى شرح أو تفنيد لإثبات سعيهم إلى إسقاط الدولة وليس النظام، والانتقام من كل طرف لم يساندهم بمن فيهم الشعب المصري نفسه، كما أن أساليبهم في الاعتماد على دول تدعمهم، وفضائيات تبث من خارج مصر، والاستقواء بالغرب، وكذلك نشر الإشاعات والأكاذيب، وترويج الإحباط، كلها أمور تحولت وكأنها صارت جزءاً من مبادئهم وأفكارهم وتراثهم! والطبيعي أن القوى السياسية المعارضة أكثر ديناميكية وقدرة على الابتكار بحكم خبراتها السياسية والمحكات التي خاضتها في معارضة الأنظمة المتعاقبة، وكذلك لعدم استخدامها الدين لتغليف سلوكها أو مبادئها أو أفكارها، وبالتالي هي أكثر انفتاحاً وأقل إنغلاقاً.
 
اللافت هنا أن "الإخوان" نجحوا في جذب هؤلاء إلى أرضيتهم وليس العكس، وأنتج تطابق المواقف وتشابهها بين الفريقين رتابة وتكراراً وتلوناً وأساليب لم تنطلِ على الشعب المصري الذي صار أكثر حنكة ومقدرة على الفرز، إذ أصبح هناك من يدوّن ويرصد كيف تغيرت أحوال "الإخوان" وتبدلت بحسب مصالحهم منذ أن كانوا في الحكم، وكيف قفزت قوى المعارضة من موقف إلى آخر، ومن التعاطف مع "الإخوان" إلى معاداتهم ثم التحالف ثم الصدام ثم الانضواء تحت عباءتهم. 
 
عموماً طالما ظل التعبير عن الرأي والموقف والتوجه سلمياً ومن دون عنف أو تخريب أو فوضى أو خروج عن القانون، فإنه حق لا يمكن الجدال فيه، ومثلما لا يمكن التهوين من صدى ما جرى في مصر أيام الربيع العربي، لا يجب أيضاً التهويل في شأن تأثيره أو تصويره على أنه يمكن أن يعود مجدداً، لكن لا يمكن أبداً إلا التأكيد أن وقوف اليساري والناصري والليبرالي في صف "الإخوان" مرة أخرى لم يعد مسموحاً أو مقبولاً جماهيرياً، وإذا كان الحكم يقع في أخطاء ويعاني صعوبات ومشاكل ومعضلات عدة فإن المعارضة المصرية بأطيافها كافة، وقعت في أخطاء أفدح وتعاني مشاكل أكبر على رأسها إصرارها على إعادة إنتاج الماضي من دون أن تدري أن المزاج العام تغير، والأوضاع على الأرض تبدلت، وموازين القوى الشعبية ليست في مصلحتها، وما كانت تقبله بعض فئات الشعب أو حتى تؤيده أو تدعمه أو تضحي من أجله لم تعد على الموقف نفسه منه، بل صارت تراه مدمراً، أو قل عبثياً، فإعادة استنساخ الماضي تعد دليلاً على عجز المعارضين عن ابتكار وسائل للمعارضة، فما بالك بابتكار حلول للمشاكل في مصر ومعضلاتها.
 
ولا يصدق أصحابنا المعارضون لكل اتفاق وكل قرار وكل قانون وكل تصرف رسمي وكل مشروع جديد أن وجوه بعضهم قد حُرقت، وصار على أصحابها، إذا كانوا فعلاً يسعون للتضحية من أجل الوطن، أن يتنحوا عن الصورة، ويتيحوا الفرصة لغيرهم ليعارضوا من دون تاريخ يحوي سابقة أعمال مسيئة، فالحقيقة أن عزوف الناس عن بعض رموز النخبة سببه أن رصيدهم من ثقة الناس قد نفد بسبب تصرفاتهم وتقلبهم وتنقلهم وتلونهم وتبديل ولاءاتهم وحساباتهم الخاطئة دائماً. كثيرون من المصريين يعتقدون أن رموزاً من المعارضة لا يسعون إلا للحكم ولو على جثة الوطن، وأنهم في سبيل ذلك تحالفوا مع مبارك أو هادنوه قبل أن ينقلبوا عليه، ثم تماهوا مع المجلس العسكري ثم انقلبوا عليه بعدما رتبوا أمورهم مع "الإخوان" وتحالفوا معهم، أو تغاضوا عن فسادهم، ثم انقلبوا عليهم بعد فشل الجماعة. 
 
أثبت الواقع أن الشعب ليست له دوافع للخروج على نظام الحكم وأن من يصيحون ويفتعلون الأزمات إما "إخوان" أو هؤلاء الذين اعتمدوا الأزمات أسلوباً للعيش والاعتراض وسيلة للحياة ممن كانوا ضد عبد الناصر والسادات ومبارك والمجلس العسكري ومحمد مرسي وعدلي منصور، وهم الآن ضد السيسي، وسيكونون ضد كل رئيس قادم ونظام آتٍ. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم