إعلان

شيرين أبو عاقلة شهيدة الصحافة وليست شهيدة فلسطين

المصدر: النهار العربي
عقيل عباس
عقيل عباس
الإعلامية الراحلة شيرين أبو عاقلة. (أ ف ب)
الإعلامية الراحلة شيرين أبو عاقلة. (أ ف ب)
A+ A-
كان مشهد قيام الشرطة الإسرائيلية بضرب حاملي نعش الصحافية الفلسطينية الأصل، الأميركية الجنسية، شيرين أبو عاقلة، مؤلماً ولافتاً في القسوة التي أبدتها الشرطة التي كانت تريد أن تمنع تشييعاً راجلاً للنعش من المستشفى في القدس إلى كنيسة الروم الكاثوليك، وتصر على التشييع بسيارة الذي أرادته عائلة الفقيدة. لم يكن سلوك رجال الشرطة مرتبطاً بالحرص على تنفيذ رغبة العائلة، بل بتحاشي ما يحصل عادةً في تشييع الفلسطينيين الذين يسقطون بالرصاص الإسرائيلي: تحول التشييع الراجل إلى تظاهرة احتجاجية ورمي حجارة ضد الشرطة، وبالتالي مواجهات بين الطرفين كثيراً ما تتسم بالعنف.

 ما زاد الأمر سوءاً وغضباً هو قيام الشرطة الإسرائيلية بنزع الأعلام الفلسطينية عن التابوت بشراسة، واعتقال فلسطينيين كانوا يحملونها، برغم أن المحكمة الإسرائيلية في القدس حكمت في العام الماضي أن رفع العلم الفلسطيني لا يشكل خرقاً للقانون. لكن العادات السيئة لا تتغير بسرعة، خصوصاً لدى رجال شرطة اعتادوا الارتياب بالفلسطينيين وتفسير أفعالهم في إطار تهديد ما بالعنف (والارتياب بالآخرين هو الطبع المهني للشرطة عموماً في كل مكان، حتى في الأوضاع العادية، فكيف الحال بالأوضاع المتأزمة الطويلة الأمد بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟).
 
وقد يكون صحيحاً ما قاله النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي، تعليقاً على نزع الشرطة الإسرائيلية الأعلام الفلسطينية واعتقال حامليها بأنه جزء من حالة فوبيا شائعة بين رجال الشرطة الإسرائيلية ضد العلم الفلسطيني، بعدما اعتادوا تمزيقه فترات طويلة وربطه بالتخريب.
 
كان كل المشهد سلبياً بالنسبة لإسرائيل: إدانات دولية، أوروبية وأميركية، إعلانات رسمية إسرائيلية مبكرة تُلمح إلى أن مقاتلين فلسطينيين وراء القتل ثم تراجُع عنها، واضطرار الشرطة الإسرائيلية إزاء الانتقادات التي واجهتها، وبينها انتقادات إسرائيلية، إلى إعلانها أنها ستجري تحقيقاً بخصوص الحادث لتشخيص الأخطاء وتعلم الدروس.
 
لكن بعيداً من الانتصار الإعلامي الذي حققه الفلسطينيون والخسارة التي مُني بها الإسرائيليون، فإن كامل المشهد، مقتل أبو عاقلة وتشييعها، زُيِّف كثيراً وشُوّه لمصلحة السياسة على حساب الحقيقة. في إطار هذا التزييف والتشويه، تحولت شيرين أبو عاقلة إلى شهيدة فلسطين، بدلاً من أن تكون شهيدة الصحافة (إذا كان لا بد من استخدام "الشهادة" في وصف الضحايا). أراد الناشطون الفلسطينيون تحويل مقتلها الفاجع إلى إدانة لاحتلال عسكري يقارعونه، فيما هي قُتلت في سياق آخر مختلف، دفاعاً عن الحقيقة وإيصالها للناس. إنه سياق حق الناس في المعرفة، الحق الذي يمثل الدافع الأخلاقي والمهني لأي وسيلة إعلامية مهتمة بنقل الحقيقة.
 
لعل أفضل وصف لماهية شيرين أبو عاقلة ونهايتها المأساوية جاء على لسانها. تتبعت هي بصوتها في برنامج لقناة "الجزيرة" التي كانت تعمل فيها فهمها لنفسها ودورها في الحيز العام: "كنا نحمل الكاميرات ونتنقل عبر الحواجز العسكرية والطرق الوعرة. كنا نبيت في مستشفيات أو عند أناس لم نعرفهم، ورغم الخطر كنا نُصرّ على مواصلة العمل. كان ذلك خلال عام 2002 حين تعرضت الضفة الغربية لاجتياح لم تعهده منذ احتلال 1967. في اللحظات الصعبة تغلبتُ على الخوف، فقد اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان. ليس سهلاً ربما أن أغير الواقع، لكني على الأقل كنت قادرةً على إيصال ذلك الصوت إلى العالم. أنا شيرين أبو عاقلة".
 
في كلماتها هذه، تصف الراحلة مشقةَ العمل الصحافي وخطورته، والتزام الصحافي بواجبه بنقل الحدث برغم هذا كله. تعلن فيها أيضاً تعاطفها مع الذين يمرون بالعناء الإنساني، لكنها تُلزم نفسها بمهمة نقله عبر الإعلام. الأهم في كلماتها هي أنها تميز بين دور الناشط، الذي يسعى لتغيير الواقع على الأرض، والصحافي الذي يكتفي بنقل هذا الواقع إلى العالم. هي حددت دورها بالثاني، وقُتلت وهي تؤدي هذا الدور المهم. لكن تشييعها الفلسطيني والتعاطف الشعبي العربي بخصوصها وتناول موضوعها في الحيز العام حولها إلى ناشطة ماتت من أجل فلسطين، فيما هي صحافية ماتت من أجل الحقيقة، والسعي لتغطيتها. الفارق بين الاثنين كبير ومهم.
 
في سياق هذا التشييع الوطني والقومي، انتصرت الأيديولوجيا على الحقيقة، إذ كان المهم إدانة إسرائيل وتحقيق لحظة انتصار سياسي عليها في إطار صراع أوسع عربي - إسرائيلي، فيما ضاعت تماماً لحظة الحقيقة المتعلقة بحماية الصحافيين من تغول السلطات، والدفاع عن سلامتهم وعن حقهم بنقل المعلومات الى الجمهور. أدانت منظمات صحافية دولية ومحلية، مثل "مراسلون بلاد حدود"، والاتحاد الدولي للصحافيين ونقابة الصحافيين الفلسطينيين وغيرها مقتل أبو عاقلة بوصفه اعتداءً على الصحافة وحقها في تغطية الحوادث، وطالبت بالمساءلة وإنزال العقوبة بمرتكبي هذه الجريمة.
 
تكمن المشكلة هنا في سجل إسرائيلي طويل بإفلات مرتكبي الاعتداءات ضد الصحافيين من العقاب، فبحسب تقرير لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، تعرضَ على مدى السنوات الأربع الماضية نحو 140 صحافياً فلسطينياً وأجنبياً لاعتداءات على يد القوات الإسرائيلية أدت إلى قتل بعضهم وجرح أغلبية منهم، جروح بعضهم تسببت بإعاقات جسدية دائمة، وذلك في إطار تغطية هؤلاء الصحافيين حوادث المواجهات المختلفة بين القوات الإسرائيلية والفلسطينيين، في الأراضي المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية. أشار تقرير آخر أصدرته نقابة الصحافيين الفلسطينيين إلى مقتل أكثر من 46 صحافياً منذ عام 200 على يد القوات الإسرائيلية، أي بمعدل صحافيين اثنين كل عام. لم تكشف إسرائيل عن المسؤولين عن هذه الاعتداءات ولم تقدمهم للقضاء.
 
في الحقيقة، لا ينافس إسرائيل في سجل الإفلات من العقاب بحق مرتكبي الجرائم ضد الصحافيين إلا العراق الذي يفوق سجله سوء السجل الإسرائيلي بأضعاف. السجل العراقي مشين فعلاً، إذ قُتل نحو 500 صحافي في العراق منذ عام 2003، معظمهم على أيدي جماعات وميليشيات متنفذة، فيما قتل 22 صحافياً على يد القوات الأميركية واثنان على يد الجيش العراقي. تُقيد الأغلبية الساحقة من الجرائم التي ترتكب ضد الصحافيين في العراق ضد مجهولين ولا تُفضي التحقيقات إلى كشف لمرتكبي هذه الجرائم ولا إلى تقديمهم للعدالة.
 
مقتل شيرين أبو عاقلة، والأصداء الإقليمية والعالمية له، ينبغي أن يكون مناسبة للضغط لمنع المزيد من الإفلات من العقوبة التي يستحقها مرتكبو الجرائم ضد الصحافيين، سواء في الأراضي المحتلة أو في العراق أو في أي مكان في الشرق الأوسط، بدلاً من تجيير عملية القتل هذه في إطار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فموتها يتعلق بالصراع حول الحقيقة وحق الناس بالمعرفة، وليس الصراع بين الاحتلال والمقاومة.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم