إعلان

لا حياة لمن لا ينتج قمحاً

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
راغب جابر
حقل مزروع قمحاً في لبنان
حقل مزروع قمحاً في لبنان
A+ A-
لا تسر حال بعض البلدان العربية ناظراً. كان هذا قبل حرب روسيا على أوكرانيا، أما بعد اندلاع الحرب فالحال أصبحت تثير الشفقة. اليمن وسوريا ولبنان وتونس والسودان وفلسطين والأردن على حافة المجاعة، وبقية الدول، باستثناء الدول الغنية المعروفة، تجاهد لتتجنب حال شقيقاتها المأزومة.
 
تتشابه الظروف والأسباب والوقائع اليومية، والقواسم المشتركة كثيرة ومعروفة للقاصي والداني: الصراعات السياسية والانقسامات الحزبية وتغليب النزعات الفردية والشخصية على المصلحة العامة، والفساد المستشري والتبعية الخارجية وضعف الأداء الاقتصادي، وغياب الديموقراطية الحقيقية، وانهيار منظومات التعليم والصناعة والزراعة....
 
أما وقد "وقع الفاس بالراس" كما يقول المثل الشعبي، فالبكاء على الأطلال لم يعد ينفع، وهو لا يعيد مجداً ولا ازدهاراً كان. ولربما تكون الحرب الدائرة حالياً في أوروبا دافعاً للأنظمة والشعوب الى تغيير كبير في المفاهيم والأفكار، والقيم السائدة في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
 
يسعى العرب اليوم وراء حبات القمح والذرة والشعير وسائر أنواع الفاصوليا والفول والعدس... ووراء السكّر والأرز والزيت واللحوم ومشتقات الحليب، ويتخبطون شرقاً وغرباً ليجدوا مصادر لغذائهم الذي لفتت الحرب الأنظار الى أن معظمه كان من أوكرانيا وروسيا الغارقتين في الحرب. وهم مضطرون لشرائه من دول بديلة بأسعار أغلى بكثير، فيما تعاني أكثريتهم من أزمات اقتصادية خانقة.
 
يعرف العرب جميعاً، بحكامهم ونخبهم السياسية والمثقفة، وحتى بفئاتهم الشعبية، أن مالهم وأرضهم وكفاءاتهم قادرة على إغنائهم عن العالم أجمع. بات الكلام عن السوق العربية المشتركة تكراراً مملاً، وكذلك عن فتح الحدود والتسهيلات الجمركية والضريبية وغير ذلك من إجراءات الانفتاح والتيسير والتنسيق. 
 
الحرب الأوكرانية وتداعياتها ومشاهد المسؤولين عن الغذاء في الحكومات وهم يطرقون أبواب دول العالم المنتجة للغذاء، بحثاً عن باخرة قمح أو سكّر أو زيت ورفوف السوبر ماركت فارغة، ستزيد من قناعة العرب بتكاملهم الاقتصادي، لكنهم في الواقع سيبقون حيثما هم ولن يتغير شيء على المستوى العام، اللهم إلا على مستويات إقليمية ضيقة.
 
ستدفع أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار في العالم أجمع نتيجة الحرب الأوكرانية الى تغييرات في التفكير الاقتصادي العالمي، فالحرب درس أيضاً. سينكبّ علماء الاقتصاد (وليس زعماء الأحزاب) على التحليل والاستنتاج ووضع النظريات والتطبيقات العملية لها. ستنحو دول العالم أكثر نحو استقلاليتها الاقتصادية وتحقيق القدر الأكبر من الاستقلال الذاتي. العقيدة التي سادت بعد الحرب الباردة بأن العالم أصبح أوعى من أن يعود الى حروب كبيرة سقطت في حرب أوكرانيا. الحرب قد تكون من صنع رجل واحد. طلقة قد تشعلها أو سكرة جنون. ليس العالم عاقلاً بعد الى حد لجم العصبيات القومية أو الدينية أو الإقليمية.
 
لا بد من أن توقظ الحرب الأوكرانية وتداعياتها الاقتصادية فكرة الدولة الراعية، بعدما تمددت الشركات الرأسمالية الكبرى العابرة للقارات، وسيطرت على اقتصاد العالم بموارده وأدوات إنتاجه وثرواته. الرأسمالية المتوحشة ستثير المخاوف أكثر، الشعوب ستحتاج الى شبكات أمان لا توفرها إلا الدولة المؤسساتية القائمة على أيديولوجية إنتاج واضحة ومتينة تؤمن لشعبها، على الأقل، الغذاء.
 
في العودة الى العرب، ألا يجب أن تكون الحرب والجوع الماثل أمام فقرائهم دافعاً الى تغيير عميق في كل منظومة التفكير التي حكمتهم طوال عقود ممتدة؟ ليس المقصود لا الوحدة السياسية ولا الوحدة العسكرية والاستراتيجية، ولا الوحدة العقائدية. هذه أحلام. فقط إعادة نظر في أنماط الإنتاج وأدواته بعد تحديد الأولويات: إنتاج الغذاء أولاً. هذه أولوية الأولويات، ومن بعدها يأتي كل شيء بحسب الحاجة.
 
عندما تحدد الأولويات تأتي الدراسات والتطبيقات. الفعل الأول هو الإرادة. ماذا يمنع زراعة القمح والحبوب؟ ولماذا نستورد السكر والزيت واللحوم ولا ننتجها؟ هل لأن تكلفة استيرادها أرخص من إنتاجها؟ هذه حجة من لا يريد أن يعمل.
 
الحرب تضع دول العالم أمام تحد كبير. لا بلد يحيا بلا إنتاج كاف. دول الشحاذة والاستدانة وطرود المساعدات والهبات من هنا وهناك لم تعد صالحة لتسمّى دولاً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم