إعلان

ماذا تعني الهجرة في الحلم... اللبناني؟

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
لبنانية تلف نفسها بالعلم اللبناني على جسر ببيروت
لبنانية تلف نفسها بالعلم اللبناني على جسر ببيروت
A+ A-
عندما تتابع نقاشات كثير من اللبنانيين على تطبيق "كلوب هاوس" - النجم الجديد في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي - ينتابك شعور أنّه، لو رغبت أيّ دولة غربية، في هذه اللحظة، بتفريغ لبنان لنجحت نجاحاً باهراً.
 
لم يعد اللبنانيون يريدون لا وطنهم ولا أرضهم ولا ناسهم ولا هويتهم. يئسوا من كل شيء.
هم يدركون، وهنا المصيبة الوطنية، أنّ المهاجر ليست أرض اللبن والعسل، بل هي بقاع الكفاح والجهد والعذاب والدموع، ومع ذلك يحلمون بالتوجّه إليها.
 
إنْ نصحتهم بالصبر والانتظار، مستنداً الى معرفتك وخبرتك، يسدّون آذانهم. هم ليسوا في وضعية الاختيار، بل في وضعية الهارب الذي يفتّش عن مأوى. هم لا يطلبون نصيحة، بل يستجدون مساعدة.
 
وطنهم لم يعد وطناً. أضحى ملاذاً للصوص والمجرمين. 
مواطنيتهم لم تعد تُجدي. أصبحوا رهائن في معتقلات.
 
قوس القزح لم يعد يحمل إلى عيونهم ألوان الطبيعة ولا صور الشعراء، بل أصبح يدلّهم على هؤلاء الذين سرقوا منهم الحاضر والمستقبل، وحوّلوا شجر الأرز الى قوارب موت، والسنديان الى توابيت بيضاء، والسنديان الى عصي قمع.
 
لا يحفظون من كلام المسؤولين سوى ما يصلح للتهريج والسخرية، فالفاشل عليه أن يخجل، والفاسد عليه أن يصمت، وأصحاب الشعارات الرنّانة عليهم أن يقطعوا حناجرهم و...سباباتهم.
من يلومهم، على ما هي عليه أحوالهم؟
 
غريزة البقاء تواجه رغبات الانتحار. ليس بين من يسألونهم عن الغد من يملك جواباً شافياً. هناك من "يفش خلقهم"، ولكن ليس هناك من يقدّم خبزاً لجائع، ودواءً لمريض، وأماناً على الطريق، وكرامة في مؤسسة، وحاجيات في متجر، وأملاً بالمستقبل.
 
لا يعرفون سبباً للارتفاع الهائل في سعر صرف الدولار الأميركي في مقابل الليرة اللبنانية، ولا يستشرفون من هو قادر على وضع حد لهذا الانهيار الذي، إن استمرّ على هذه الوتيرة، فسوف يتساوى الدخل الأدنى في لبنان بالدخل الأدنى في سوريا، وترتفع نسبة هؤلاء الذين رُمي بهم رمياً تحت خط الفقر الى ثمانين في المئة من مجموع الشعب.
 
يقرأون التقارير الدولية التي تُعنى بتشريح الوضع المالي في لبنان، فتلفتهم عبارات، مثل "لقد فات أوان الإنقاذ"، وفق ما ورد في دراسة جايمس ريكاردوس التي أجراها لمصلحة "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" الأميركية، ويستمعون الى تصاريح المسؤولين الدوليين عن لبنان، فتوقفهم تعابير التحسّر على شعب يدير شؤونه مسؤولون من الدرجة الرديئة للغاية.
 
يستمعون الى بعضهم البعض، فيكتشفون أنّ رغبة الهجرة هي نقطة التلاقي الوحيدة بينهم. السياسة تفرّقهم، والأهواء تشتّتهم، والطائفية تفتّتهم.
 
أينما التفتوا، وجدوا الحزن والقلق والخوف. أطفالهم لا يعرفون سبب الدموع العالقة في عيون آبائهم، ولا النّهدات الصادرة من صدور أمّهاتهم، والإرث الذي جهّزوه لأولادهم لم يعد يساوي أكثر من حقيبة سفر بلا تذكرة.
 
يفتشون عن مسؤول واحد يُقر، يعتذر، يندم، وينسحب، فلا يجدون سوى مؤتمرات صحافية مملوءة وقاحة، وإطلالات تلفزيونية مفعمة بالصلافة، وتصاريح يخجل من إطلاق مثيلاتها حكّام النروج والسويد. 
 
فقط في بلادهم، السياسي بلا دنس، والمجرم مقدّس، والمجنون حكيم، والنائم نشيط، والتافه عبقري، والحق... على الآخرين.
 
إنّهم يحلمون بالهجرة، بعدما ووجه كل ما يقومون به باحتقار. يحتقرونهم إنْ هم ثاروا، وإنْ هم اشتكوا، وإنْ هم طالبوا. 
 
قضاؤهم نسي كيف يكون نشر العدل. أمنهم نسي كيف تكون المساواة بين المواطنين. مؤسساتهم نسيت روح الدستور. سياسيوهم لا يحملون إلّا المهدّات. مقاومتهم لم تعد أكثر من مرتزقة.
 
يعيشون تداعيات حرب لم يشاركوا فيها. يدفعون ثمن مواجهات لم ينخرطوا فيها. 
ناموا على أوهام العظمة فاستيقظوا على كابوس جحيمي. حشوا رؤوسهم بانتصارات فوجدوا بطونهم فارغة. 
 
من يلوم اللبنانيين، والحالة هذه، مهما قالوا، ومهما فعلوا، ومهما حلموا؟!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم