إعلان

أردوغان ولعبة "السولد" الدّستوريّة

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
A+ A-
شكّل اقتراح "الدستور الجديد" الذي طرحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مفاجأة لأحزاب المعارضة وبرلمانيي حزبه وأعضائه على حد سواء، وسط حالة من اللامبالاة لدى المواطن التركي الذي باتت أولويته إيجاد سبل ناجعة لتقليل آثار الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، غير آبه بتجاذبات مراكز الثقل السياسي وباروناتها التقليديين.
 
وفيما اعتبر البعض هذا الطرح تكتيكاً من "المناور الأكبر" لتغيير أجندة البلاد وإحراق "كروت" الخصوم، من الاقتصاد المترنّح، إلى السياسة المأزومة في شرق المتوسط والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والناتو، وصولاً إلى الضغوط المرتقبة من الوافد الجديد إلى البيت الأبيض بما يخص ملفات حقوق الإنسان والحريات، إلا أن توقيت هذا الطرح وطريقته، يدلان على نية أردوغانية لإصابة أكثر من "عصفور" بحجر الدستور، قد يكون تغيير الأجندة أصغرها، مقارنة بتمكين أسس حكم الرجل الواحد وضمان استمراريته سياسياً ورئاسياً.

 
ماذا سيتضمّن الدستور الجديد؟
في مسودة "الدستور المدني"، التي يريد حزب "العدالة والتنمية" وضعها مع حزب "الحركة القومية"، ومن ثم عرضها على أحزاب المعارضة، "لن يتم تقديم أي تنازلات في ما يتعلق بنظام الحكم الرئاسي"، كما سيبقى معدل الـ 50+1% من نسبة الأصوات كشرط للفوز بالانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى سارياً، بحسب تصريحات شريكي السلطة اللذين لم يتطرقا بوضوح وصراحة إلى ماهية البنود المزمع تغييرها في النسخة الجديدة.
 
صحافي متابع لكواليس إعداد الدستور الجديد في أنقرة، أكد لـ"النهار العربي" أن بنوده "لن تتضمن أي تغيير في صلاحيات رئيس الجمهورية بالنسبة الى إصدار المراسيم"، والذي يعتبر المطلب الرئيسي للمعارضة، "بل على العكس، إلى جانب توسيع سلطته في إصدارها، سيتم تضمين أسس تمهد لإيجاد المزيد من الآليات لتعزيز سلطة الرئيس من جهة، وإغلاق الطريق أمام أي احتمال للعودة إلى نظام الحكم البرلماني" المنشود من المعارضة في حال تحقيق الفوز في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، من جهة أخرى.

ما الهدف من طرح الدستور الجديد؟
أولاً - سعى رئيس "العدالة والتنمية" في العقد الأخير إلى تدارك فشل حزبه في تثبيت المنظومة السياسية والاجتماعية القائمة على مبادئ الإسلام السياسي، عبر سلسلة من الإجراءات المعلنة أحياناً، والمستترة في معظمها، تمهيداً لتشكيل الجمهورية التركية الموافقة لرؤيته ومصالحه، وعلى رأسها ديمومة حكمه إلى ما بعد عام 2023 الذي يصادف الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية الأولى. وفي سعيه نحو تحقيق هذا الهدف "الأيديولوجي" لا يتوانى "أسد السنّة" عن المضي في خطواته الانتقامية من علمانية تركيا ومؤسسها مصطفى كمال أتاتورك. ويمكن اعتبار تطرقه خلال كلمته يوم الثلثاء أمام برلمانيي حزبه لدستور عام 1921، والذي سُمّي في حينه بـ"قانون التشكيل الأساسي"، وحديثه عن إمكان أن يشكّل مثالاً يُحتذى، إحدى أهم إشارات السعي وراء الهدف الأيديولوجي الذي ذكرته سابقاً، كون الدستور المذكور ينص في مادته الثانية على أن "دين الدولة هو الإسلام".
 
ثانياً - أسلمة تركية دستورياً، عدا أهميته المنهجية لـ"العدالة والتنمية"، فإن له مكاسب ميدانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحسابات الربح والخسارة. فتضمين مثل هذه المادة قد يساهم في الحصول على دعم من بعض النواب القوميين أو المحافظين في صفوف الأحزاب المعارضة لاقتراح الدستور الجديد، بخاصة مع الأخذ بعين الاعتبار أن التصويت عليه في البرلمان سيكون سرياً. وإن بدت قواعد حزب "الشعب الجمهوري" وممثليها الأقل تأثّراً فإن مثل هذه الطروحات قد تلقى ترحيباً في صفوف حزب "السعادة" و"الجيد" وحتى بالنسبة الى قواعد حزبي "المستقبل" برئاسة أحمد داوود أوغلو و"دوا" برئاسة علي باباجان، اللذين أكدا خلال مؤتمر صحافي مشترك، في ردّهما على اقتراح أردوغان، الحاجة إلى "تغيير النظام أولاً، ثم إلى تغيير الذهنية أيضاً"، لأن تركيا تعاني من "مشكلة نظام الإدارة، ومشكلة الذهنية الحاكمة".
 
ثالثاً - سياسة "خلق الجدل" الداخلي ليست بالجديدة بالنسبة الى الرئيس التركي، الذي عُرف عنه لجوؤه إلى رفع حدة الاستقطاب الداخلي كلما أحس بازدياد الضغوط الاقتصادية وبالتالي التململ في الشارع التركي، بالتوازي مع تصدير الأزمات إلى الخارج عبر استحداث حروب وعمليات عسكرية ضد مخاطر وتهديدات وهمية. رغبة أردوغان في خلق جدل جديد، قد يكون مردّها الى حالة الاستياء داخل المجتمع التركي بتقسيماته السياسية والاقتصادية.
 
سياسياً: لم يعد التكتيك المتّبع سابقاً بتقسيم المجتمع شاقولياً على أساس المبادئ الدينية أو الهويات العرقية وإلهائه بتصريحات شديدة الحدة وعالية السقف يجدي نفعاً، بخاصة مع امتناع المعارضة عن الدخول في مهاترات السلطة، بل حرصها في بعض الأحيان على تأكيد الصورة الجامعة لأطروحاتها، التي للأمانة، لم ترتق حتى الساعة إلى مستوى منافسة أطروحات خصمها. ولعل نداء رئيس حزب "الشعب الجمهوري" كمال كيليتشدار أوغلو "لجميع المثقفين في هذا البلد، بعدم التعليق على الأجندة التي يطرحها أردوغان" خير دليل على فعل الامتناع ذلك. 
 
اقتصادياً: أثّرت الضائقة الاقتصادية التي انهالت على الأتراك تأثيراً متسارعاً، ليس في المزاج الشعبي فقط، بل حتى في توجهات البرجوازية التركية، صاحبة اليد العليا في ترسيخ سلطة "العدالة والتنمية"، التي جاءت نتيجة لتململ هذه الفئة من السياسات الاقتصادية الفاشلة للحكومات التركية السابقة في حقبة الثمانينات والتسعينات، والأزمة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالبلاد في العقد الأخير من القرن الماضي. ولعل إطاحة ممثلي "العدالة والتنمية" في مراكز المال التركي في كل من أنقرة واسطنبول وأزمير في الانتخابات المحلية قد تمثّل الإشارة الأبرز لحالة التململ تلك.
 
وبناءً عليه، لم تعد حماسة المحافظين الأتراك المنخرطين في النقاشات المتعلّقة بمواضع مثل الحجاب أو تحويل كنيسة آيا صوفيا مسجداً أو رسوم شارل إيبدو المسيئة للرسول كافية لضمان أصواتهم في الانتخابات القادمة، كما فقدت "المسألة الكردية" موقعها الريادي في أولويات القوميين الأتراك لمصلحة "أزمة الخبز"، فكان لا بد من توليد جدل أعمق وأوسع تأثيراً، وهذا هو سبب الإشارة إلى دستور عام 1921 المستفز للكماليين والعلمانيين وحتى المعارضين لنهج "العثمانية الجديدة"، كما أن المطالبات بـ"إحياء القيم المادية والروحية لتأسيس الجمهورية"، وحديث البرلمانيين والصحافيين المحسوبين على "العدالة والتنمية" في خطاباتهم ومقالاتهم ولقاءاتهم التلفزيونية عن "دستور إعادة تأسيس الجمهورية" يصبّ في خانة الاستفزاز تلك نفسها، بخاصة مع الأخذ بالاعتبار تسمية أتاتورك الذي يعني في اللغة التركية "جد الأتراك" كدلالة على كونه الأصل الذي "تناسلت منه" الجمهورية التركية الحالية. 
 
رابعاً - بالإضافة إلى محاولة لمّ قاعدته الشعبية حوله وإبقائها حية ومتفاعلة مع أطروحاته، يخلق رفض المعارضة التركية لمشروع تغيير الدستور لأردوغان فرصة جديدة لإلصاق تهمة "الانقلابية" و"العسكريتارية" بالمعارضة الأم للبلاد (حزب الشعب الجمهوري) من جهة، ويشكّل مبرراً للمشكلات التشريعية وحتى الائتلافية المتوقع تفاقمها نتيجة اشتداد الاستقطاب المحلي وطغيان لغة التخوين في الخطاب السياسي الداخلي، في ظل غياب آليات الحفاظ على التوازنات الحزبية والعقد السياسي المتّبع في النظم البرلمانية بعد الانتقال إلى أكثر أشكال النظام الرئاسي تطرفاً، والمتمثل بحكم الرجل الواحد، من جهة أخرى. كما أنه يوفر حجة لتسويف الوعود، التي أطلقها في 23 كانون الثاني (يناير) 2011 تمهيداً لانتخابات 12 حزيران (يونيو) من العام نفسه ولم يتحقق أي منها، فلم يصل الدخل القومي إلى تريليوني دولار، ولا بلغ دخل الفرد 25 ألف دولار، ولم تدخل تركيا ضمن أول 10 اقتصادات في العالم، كما لم تنخفض البطالة إلى 5%، ولم يتم إنشاء 3 مفاعلات نووية لتوليد الطاقة، كما لم يتم افتتاح قناة اسطنبول ولم تصل الصادرات إلى 500 مليار دولار، بل على العكس، فإن المؤشرات الاقتصادية، جميعها بلا استثناء، تشير إلى تراجع حاد في الدخلين الفردي والقومي وحتى قيمة العملة المحلية، مقابل ارتفاع في معدلات التضخم والبطالة.
 
خامساً - إن الذهاب إلى دستور جديد يمنح أردوغان إمكان الترشح، وبالتالي الحفاظ على منصب الرئاسة للمرة الثالثة، كون الدستور الجديد "يجبّ ما قبله" لجهة تحديد إمكان الترشّح لولايتين رئاسيتين.
 
برغم صعوبة مهمة إقناع الأتراك بأهمية طرح الدستور الجديد، حتى مع الجهود التي تبذلها الماكينة الإعلامية لـ"العدالة والتنمية" لتلميع "الخطوة الإنقاذية" وتسويقها كعملية تأسيس لمرحلة أكثر بياضاً، وهو الذي يفتقر إلى الأكثرية البرلمانية لإقراره، إلا أن أردوغان اليوم يبدو مضطراً أكثر من أي وقت مضى للمضي حتى النهاية في لعبة "سولد" دستورية باحتماليه المتناقضين: إما تعويض خسائره السابقة وزيادة رصيده السياسي، أو الانسحاب من الطاولة إلى الأبد.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم