إعلان

يوم مفصلي أميركي

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
الرئيس الأميركي المنتخب جوزف بايدن
الرئيس الأميركي المنتخب جوزف بايدن
A+ A-
في يوم واحد، في سنة تاريخية طويلة بدت كأبدية سوف يذكرها الأميركيون طويلاً ويتمنون عدم عودتها، جددت الولايات المتحدة تأكيدها مرة ثانية على  إنهاء حقبة الرئيس دونالد ترامب حين صوّت أعضاء المجمع الانتخابي رسمياً في ولاياتهم على انتخاب جوزف بايدن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، وأنهوا بذلك الحملة العبثية والمعادية للديموقراطية التي شنها الرئيس دونالد ترامب للتشكيك بصدقية الانتخابات ونزاهتها ولنزع الشرعية عن خلفه. وفي اليوم ذاته بدأ الأميركيون معركتهم الأخيرة ضد جائحة كورونا القاتلة عبر بدء عمليات التلقيح ضد فيروس COVID-19 وإن حرمتهم من الاحتفال بهذا الإنجاز.
 
الإحصاءات القاسية ذكرّتهم، أيضاً في اليوم نفسه، أن الجائحة قد قضت على أكثر من 300 ألف مواطن. ومع اقتراب اليوم المفصلي من نهايته، قرر الرئيس ترامب أن يضيف اليه هامشاً أراد منه سلب الأضواء من الرئيس بايدن، حين أعلن في تغريدة ان وزير العدل وليام بار، الذي أهانه ترامب في الأسابيع الماضية لأن ولاءه لم يكن أعمى بما فيه الكفاية، سوف يستقيل "والأصح أقيل" من منصبه في الأسبوع المقبل. وكان الوزير بار قد أثار غضب الرئيس ترامب لأنه ناقضه علناً حين قال إن تحقيقات الوزارة أظهرت عدم وجود تزوير في الانتخابات.
 
وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة يحظى تصويت المجمع الانتخابي بمثل هذا الاهتمام، في ضوء محاولات ترامب الطعن بنتائج الانتخابات، وهي محاولات رفضها القضاء الأميركي من المحاكم المحلية الى المحاكم الفدرالية ووصولاً الى المحكمة العليا، رفضاً قاطعاً. الرفض جاء أيضاً من قبل قضاة فدراليين عينهم ترامب، وأيضاً من قبل القضاة الثلاثة الذين رشحهم ترامب لعضوية المحكمة العليا، والذين كان يعول عليهم لتبني طروحاته وادعاءاته المضللة بحدوث عمليات غش وتزوير لنتائج الانتخابات. تصويت المجمع الانتخابي عادة هو إجراء إداري يذكر في شكل عابر في نشرات الأخبار، ولا تتابعه أكثرية الأميركيين. وكالعادة عكس تصويت المجمع حجم الاقتراع الشعبي، والذي فاز به بايدن بسبعة ملايين صوت أكثر من دونالد ترامب، والذي ترجم بثلاثمئة وستة أصوات في المجمع الانتخابي.
 
وشاهد عشرات الملايين من الأميركيين شاشات التلفزيون المقسمة التي كانت تغطي في الوقت ذاته مداولات المجالس التشريعية للولايات وعمليات تصويت أفراد المجمّع الانتخابي، وصور الأطباء والممرضين والممرضات وغيرهم من المسؤولين الأولين عن العناية بالمصابين بالفيروس وهم يتلقون اللقاح. معظم هؤلاء قاموا بتشجيع المواطنين المترددين بتلقي اللقاح، حيث أكدوا لهم انه آمن وفعّال، وناشدوهم ألا يصدقوا الاساطير ونظريات المؤامرة التي تحيط به والتي أصبحت جزءاً من الغيبيات والتضليلات التي أحاطت بالجائحة، والتي ساهم الرئيس ترامب بسلوكه وكلماته في شيوعها.
 
وجرت عمليات تصويت أعضاء المجمع الانتخابي في أجواء اتسمت بالتوتر والحذر بسبب تهديدات جماعات يمينية متطرفة مؤيدة لترامب بعرقلة عملية التصويت وحتى استخدام العنف ضد مؤيدي بايدن وضد المسؤولين المحليين عن الانتخابات من جمهوريين وديموقراطيين. المخاوف من هذه التهديدات دفعت بأعضاء المجمع في ولاية أريزونا، التي كانت تصوت تقليدياً للمرشح الجمهوري، ولكنها صوتت هذه السنة للمرشح بايدن، للتصويت من مكان سرّي. كما دفعت بحاكمة ولاية ميشيغان غريتشين ويتمير لإغلاق مقر عاصمة الولاية حيث جرى التصويت، بعد حصول السلطات المحلية على معلومات حول احتمال حدوث اعمال عنف. ونظمت الجماعات اليمينية المتشددة المؤيدة لترامب تظاهرت احتجاجية في عواصم الولايات امام المباني الحكومية. وفي ميشيغان، حاول عدد من انصار الرئيس ترامب دخول المبنى الحكومي الذي أغلق امام الجميع باستثناء المسؤولين وأعضاء المجمع الانتخابي الشرعيين، دخول المبنى بحجة انهم ناخبون كبار يريدون التصويت للرئيس ترامب.
 
وبعد انتهاء التصويت القى الرئيس المنتخب جوزف بايدن خطاباً قوي اللهجة قال فيه: "في معركة صيانة الروح الأميركية، الديموقراطية انتصرت، والشعب قال كلمته، ولم يتزعزع الإيمان بمؤسساتنا، ونزاهة الانتخابات لا تزال ثابتة، والآن حان الوقت لأن نقلب الصفحة، كما فعلنا مراراً في تاريخنا...". ولكن نبرة بايدن الوفاقية لم تمنعه من توجيه نقد لاذع للأساليب التي استخدمها ترامب وأنصاره للتشكيك بشرعية انتخابه قائلاً انها تعكس "انعدام الضمير". وأضاف بايدن أن محاولات إلغاء نتائج الانتخابات "كانت متطرفة للغاية ونحن لم نرَ مثلها من قبل". وندد بايدن بالدعوى التي رفعها المدعي العام الجمهوري لولاية تكساس للمحكمة العليا والتي دعمها 17 مدعياً عاماً جمهورياً يمثلون ولاياتهم، إضافة الى 126 عضواً جمهورياً في مجلس النواب، لإلغاء نتائج الانتخابات في أربع ولايات بأنها تمثل "هجوماً لا سابقة له ضد ديموقراطيتنا".
 
المحكمة العليا، في تأنيب سافر لترامب رفضت حتى النظر بالدعوى المشينة. نبرة بايدن القوية عكست نفاد صبره، خصوصاً أن مواقفه الوفاقية منذ فوزه بالانتخابات قابلها الجمهوريون بالرفض او الاستخفاف.
 
وأثنى بايدن على المواقف المبدئية للمسؤولين المحليين عن الانتخابات من جمهوريين وديموقراطيين ومستقلين الذين قاموا بواجباتهم على الرغم من "تعرضهم لضغوط سياسية ضخمة، وإهانات لفظية، وحتى التهديدات باستخدام العنف الجسدي"، لأنهم رفضوا ادّعاءات وتضليلات الرئيس ترامب حول "تزوير" الانتخابات. 
 
المحطة المقبلة على طريق بايدن الطويل الى البيت الأبيض هي في السادس من كانون الثاني (يناير) المقبل، حين تقدم نتائج تصويت المجمع الانتخابي الى مجلسي الكونغرس للتصديق عليها، وهي عملية إجرائية، وأن ليس من المستبعد أن يحاول بعض الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب القيام بمحاولات استعراضية صبيانية ضد التصديق على النتائج، لإرضاء الرئيس ترامب.
 
يوم مفصلي أميركي، في نهاية سنة تاريخية انهكت الولايات المتحدة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وصحياً عشية بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. هذه هي التركة الثقيلة التي سيرثها الرئيس المنتخب جوزف بايدن بدءاً من الدقيقة الأولى بعد الساعة الثانية عشرة ظهراً في العشرين من الشهر المقبل. 
 
 
 
 
الكلمات الدالة