إعلان

في تونس... انقسامات السّياسيين ترسم الطريق إلى الهاوية

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
من مظاهر الأزمة الاقتصادية في تونس
من مظاهر الأزمة الاقتصادية في تونس
A+ A-
تبدو العناصر السياسية الفاعلة في تونس هذه الأيام وكأنما همها الوحيد هو تعميق الخوف مما يخبئه المستقبل، سواء بالحديث عن أسوأ السيناريوات الممكنة أم بتصرفات تؤكد استعدادها لمزيد من دفع البلاد نحو الأسفل. 

من أكثر المشاهد إحباطاً هذا الشهر كان بكل تأكيد مشهد أحد نواب البرلمان ينزف دماً من رأسه بعدما اعتدى عليه بالضرب أحد زملائه في المجلس. 

في الواقع لم يشكل تطوّر الأمور إلى حد العنف المادي مفاجأة كبرى. فالمشاحنات وكل أشكال العنف اللفظي التي لا تنتهي في رحاب مجلس النواب ما كانت توحي بغير ذلك التطور غير المسبوق.
غير أن الحادثة، مع ذلك، صدمت الرأي العام الذي كان يحدوه الأمل، برغم الخيبات المتعاقبة، في أن يرتفع أداء البرلمان يوماً ما إلى مستوى التحديات التي تواجه البلاد.

ومن اللافت أنّ ردود الفعل المسجلة إثر واقعة العنف في البرلمان زادت في شد الأعصاب وتعزيز الانطباع بأن البلاد على شفا الهاوية.

ومن المفارقات أن رئيس الدولة، في تأكيده التزامه ضمان استقرار المؤسسات، رسم صورة مخيفة عن المخاطر المتربصة بالبلاد قائلاً: "لن أترك الدولة التونسية تتهاوى.. ولن نقبل بأن تسيل الدماء، وأن يمهّد البعض لإسقاط الدولة.. وسيدفعون الثمن في إطار القانون".
 
وكذلك فعل الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات العمالية وأوسع المنظمات الوطنية تأثيراً، بتحذيره من أنّ الأمر "ينذر بدفع تونس إلى الانزلاق في مستنقع العنف والفوضى ويهدّد كيان الدولة والمجتمع".
 
ليس هناك ظاهرياً أي تناسب بين ما وقع في البرلمان وأجراس الإنذار الصاخبة التي قرعت بعد حادثة العنف. التفسير الوحيد لهذه الدرجة من التوجس يكمن في الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد منذ فترة على مختلف الصعد والتي يخشى الكثيرون أن تخرج عن السيطرة.

والمؤشرات متعددة إلى ذلك. فبعد أكثر من مئة يوم على تسلّم رئيس الحكومة هشام المشيشي مهامه، لا شيء يوحي بأنه قادر، برغم حسن نياته، على استرجاع المبادرة بعدما استشرت الاحتجاجات وتطورت في بعض الحالات إلى إضرابات عامة في الولايات الداخلية التي تشتكي من تخلفها عن ركب التنمية في بقية المناطق.

صحيح أنّ البرلمان صادق في آخر لحظة على ميزانية الدولة للسنة المقبلة، ولكنه مرر في واقع الأمر ميزانية تصريف أعمال وليس ميزانية تنمية. ولم تغير تلك المصادقة من كون الدولة سوف تدخل العام الجديد بإمكانات محدودة لا تسمح لها بالاستجابة للمطالبات المتزايدة المتأتية، ليس فقط من الجهات، بل أيضاً من قطاعات مهنية حيوية مثل الأطباء والقضاة. والشيء الوحيد الأكيد هو حتمية لجوء الحكومة الى مزيد الاقتراض من الخارج بنسب أكثر كلفة وبشروط أكثر إجحافاً. وإذ يزداد وضع الاقتصاد تأزماً في ظل جائحة كورونا، يتفاقم عجز الميزانية تفاقماً قد يهدد، حتى قدرة الدولة على تحمل كلفة الخدمات الأساسية ودفع رواتب موظفيها، إذا ما لم يتم تدارك الوضع استباقياً بما قد يعنيه ذلك من إجراءات تقشفية مؤلمة.

والتوترات الأخيرة في البرلمان عكست حالة التشظي على المستويات كافة، بدءاً بالمستوى السياسي حيث تعكس المواقف والتحركات (والشتائم اليومية المتبادلة) حالة الاستقطاب العميقة بين الحداثيين والإسلاميين، بالإضافة إلى الانقسامات الأخرى الداخلية التي تخترق هذين المعسكرين نفسيهما برغم التحالفات التكتيكية التي تجمع بعض أحزابهما وتياراتهما.

أما على صعيد ممارسة السلطة فهناك تشتت في دوائر اتخاذ القرار، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الضوابط الدستورية التي وزعت السلطات توزيعاً لا يسمح لأي من الرئاسات الثلاث بأن تشكل قيادة قادرة على بلورة رؤى واضحة وتنفيذها. ويكتمل مشهد التشظي السياسي ببرلمان ليس فيه أغلبية واضحة لأي كتلة، ما يعيق تنفيذ أيّ مسار إصلاحي متكامل. 
 
اليوم، الكل في تونس يسأل عن الحل. وتتسابق النخب السياسية على تقديم المبادرات. وتتفاوت صدقية هذه المبادرات بحسب صدقية أصحابها، ولكن أهمها تبقى مبادرة اتحاد الشغل الذي دعا رئاسة الجمهورية الى تنظيم حوار وطني لإعادة ترتيب الأولويات من أجل إنقاذ الوضع المتردي. وبرغم الاهتمام الذي حظيت به مبادرة الاتحاد، فإن حماسة الأحزاب السياسية المشتتة لم تكن كبيرة بما يوحي بنجاحها. وحتى رئاسة الجمهورية تأخرت في الرد على المبادرة. بل إن الرئيس قيس سعيّد، الذي رحب مبدئياً بالحوار، اشترط أن لا يشارك فيه "الفاسدون" من دون تحديد من هم هؤلاء. 

ولعل إطلاق مبادرات الحوار هو في حد ذاته مؤشر الى عمق المأزق الوطني. تبدو مكوّنات الطبقة السياسية ومكوّنات المجتمع المدني وكأنها تسعى اليوم إلى حل الأزمات الراهنة بالارتداد إلى صيغة كانت نجحت سنة 2013، بل أثمرت جائزة نوبل للسلام. ولكنها صيغة تبدو اليوم غريبة بعد عشر سنوات كاملة من الانتقال الديموقراطي تضمنت سن دستور جديد وتنظيم انتخابات عامة. وكان من المفروض أن تكون البلاد قد استقرت بعدها ومرت إلى مرحلة جديدة، لا أن تبقى تدور في حلقة مفرغة.

قد يكون الحوار مع ذلك مفيداً إذا ما ركّز على التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي فشل الانتقال الديموقراطي في رفعها، لا أن يكون فرصة جديدة للظهور الإعلامي والمزايدات السياسية. 
 
بالحوار ومن دونه، تصعب مهمة الإنقاذ نتيجة ضعف تجربة الحكم لدى معظم أفراد السلطتين التنفيذية والتشريعية وميلهم الى المواقف الشعبوية أكثر من استعدادهم لمصارحة الناخبين بنوعية الأزمة الراهنة. ولهذا السبب نفسه يرى كثيرون أن تنظيم انتخابات سابقة لأوانها سوف يعيد إنتاج الطبقة السياسية الحالية نفسها أو ما يشبهها. والمفكر هشام جعيط ذهب إلى حد القول إن التونسيين في السنوات الأخيرة "برهنوا عن عدم استعدادهم للديموقراطية".

وحالة التشظّي العامة في الواقع أعمق من مظاهرها السياسية البحتة. إذ إن المشاحنات المدمّرة والخلافات المزمنة بين السياسيين تعكس في معظم الأحيان صراعات أعمق حول الهوية ونموذج المجتمع المراد بناؤه، إضافة إلى الرواسب النفسية المعيقة للنظر إلى الأمام.

أقوى مثال على ذلك هو كلام نائب "ائتلاف الكرامة" الإسلامي المتشدد حول حقوق المرأة والذي كان أحد أسباب انفلاتة العنف الجسدي في البرلمان. كان كلامه رافضاً للنموذج الحداثي للحقوق الفردية، وخاصة حقوق المرأة. النائب دفع بموقفه البرلمان والمجتمع السياسي إلى حالة احتقان شديدة بتحقيره لحقوق المرأة التي دافعت عنها الحركة النسوية والإصلاحية منذ الاستقلال، مصرحاً في سياق مقارنته للمرأة التونسية مع المرأة في الغرب: "مكاسب المرأة عندهم هي الأمهات العازبات والإنجاب خارج إطار الزواج والحق في الإجهاض والحريات الجنسية". وما أضافه حول إنجاب المرأة خارج الزواج والمثلية تضمن عبارات أكثر عنفاً. 

والمشكلة هي أن "الحروب الثقافية" الكامنة والمعلنة تغذي إلى حد كبير مختلف الصراعات الأخرى على الساحة السياسية، وتجعل الاختلافات في المواقف غير قابلة للتجسير. وبعكس الدول الغربية حيث الحروب الثقافية لا تزعزع استقرار المؤسسات الدستورية ولا التوازنات السياسية القائمة، فإن تجربة العقد الأخير في تونس أظهرت أن المؤسسات الديموقراطية لا تزال هشة ومنقوصة. ويرى البعض أنها غير قادرة على إنجاب نظام سياسي قادر على حل أزمات البلاد.

ويزيد في مشكلات الطبقة السياسية أنّ جانباً منها ما زال يعتقد أن قيادة البلاد تتم عبر النظر للمرآة الخلفية عِوَض النظر إلى الأمام وتجاوز الماضي بإيجابياته وسلبياته. ولا يزال زاد الحقد المتبادل يشكل هوة تفصل بين مختلف الأجيال السياسية.
 
كل الانقسامات والشروخ تجعل الثقة غائبة عن مكوّنات المشهد السياسي بشكل يبلغ حد التوجس من كل اقتراح أو مبادرة، ويمنع في معظم الأحيان أي مناقشة هادئة ورصينة نحو تعديل جوهري لأطر العمل السياسي، على شاكلة تنظيم انتخابات مبكرة أو تحوير الدستور أو القانون الانتخابي. 

في ظل الشحن اللغوي الزائد عن اللزوم والبارانويا المسيطرة على بعض الأذهان، سرعان ما يتم تأويل مثل هذه المقترحات على أنها تفتح الباب على مخاطر الحرب الأهلية أو هي تخفي انقلاباً عسكرياً يُطبخ على نار هادئة. 

بل إن التصريح بالخوف من انقلاب عسكري يؤدي إلى وأد التجربة الديموقراطية، أصبح جزءاً من السجالات السياسية على الساحة العامة برغم غياب ما يبرره، اعتباراً لخصوصيات تونس وتاريخها المعاصر وطبيعة جيشها الذي نأى بنفسه عن أخذ السلطة بعد 2011 عندما كانت في متناوله. 

قد لا تكون تونس المنقسمة على نفسها مُقدِمة على انهيار محتوم للدولة. ولكن تركيز اهتمام السياسيين على قضايا مغايرة لأولويات البلاد الاقتصادية والاجتماعية سوف يطيل عمر الأزمات أكثر مما يمكن أن تحتمله البلاد والعباد. 

وفِي الأثناء، فإن التلويح المستمر بالانحدار الوشيك نحو الهاوية من قبل هؤلاء السياسيين سوف يدمّر بكل تأكيد أعصاب اَلتونسيين في مستقبل غير بعيد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم