​ مفهوم "الشّر"... الواقع والدلالات

المصدر: النهار العربي
حسن إسميك
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-

من منّا لم يستعمل كلمات لا يستوعب تماماً معانيها، ليس فقط في مرحلة الطفولة المبكرة، بل أيضاً في سن الرشد؟ أكاد أتخيل أن أحدنا سيجيب بقوله، نعم، فالكلمات الغريبة، وكيفية تعلمها، ومدى الدهشة لدى معرفة ما تعنيه، لازمتني دائماً، حتى أنها تصلح أداة لرسم معالم حياتي ومراحل تطوري كلها. وفي الحقيقة للكلمات نفوذها الكبير وتأثيرها الواسع في نمو كل منا ووعيه. 

لكن لئن كانت "الكلمات كالرصاصات"، كما قيل في سياق مختلف، فلعل "المفاهيم كالقنابل والألغام". وفعل المفاهيم الخاطئة، أو التي أسيء فهمها، يتخطى الفرد ليصيب المجتمع بالعدوى، وينفذ إلى جوهر الفكر ونمط الحياة.

هكذا قد يتذكر بعضنا المرة الأولى التي نطق فيها بكلمتي شرير، وشر، من دون أن يعي أنهما تمثلان مفهوماً يمكن أن يتحوّل أداة هدم وتخريب، بدلاً من أن تكون كل منهما مجرد مفردة يتقاذفها الناس في سن الشباب على سبيل المشاغبة أو الرغبة في الإساءة. لكن من أين لهذا اليافع، أن يدرك أبعاد الكلمة - المفهوم، التي يتخذ منها البعض سلاحاً في هجومه على الدين وأركانه الرئيسة؟

لم تستفزني يوماً أسئلة المشككين في رأفة الله ورحمته، ولم تزعزع إيماني قط بأنه رؤوف رحيم لطيف، غير أن ما يشغلني حقاً هو الحوار مع أولئك الذين يعتبرون فكرة الشر مفتاحاً للإجهاز على الإيمان الديني، فيقولون، مثلاً، كيف لا تتدخل القدرة الإلهية في رفع كل المعاناة والشرور والآلام عن وجه الأرض؟ ولماذا لا تتدخل رحمة الله فتوقف الحروب، وتنهي المجاعات، وتعطل كوارث الطبيعة من سيول وبراكين وزلازل؟ لماذا الشر موجود مع أن الله خلق العالم في أفضل صورة؟ ولماذا ينهزم الخير أمام الشر والخير من عند الله؟ ولأجل هذه الأسئلة ومثيلاتها يزعم المشككون أن الله إما هو قادر حقاً وراض عن الشر، وإما غير قادر على منعه.

أود بداية أن أوضح أن النقاش في هذا الجانب ينبغي أن يأخذ أحد اتجاهين: الأول هو سؤال المؤمن الباحث عن الاطمئنان، كما سأل إبراهيم الخليل عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، "قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي". أما الثاني فهو سؤال غير المؤمن بالله، الملحد أو المشكك، ولا أظن أن الحوار ممكن في هذه الحالة، بين هذا ونقيضه الذي يحتكم إلى مرجعية الإيمان بالله. 

من جهة ثانية، هذا  النقاش يقتضي التنويه بأن موضوع الخير والشر هو من الأسئلة الأولى التي دشنت ولادة الوعي البشري، فقد كان ملازماً لسؤال الوجود ذاته، ما يعني أنه لم يولد من رحم الوعي الديني، بل هو ركن أساسي في أشكال الوعي الخرافي، ثم الأسطوري، التي انبثقت منها حضارات الشرق القديم.

وما أودّ قوله بناءً على ذلك، أنه برغم المحاولات الحثيثة التي قدمها البشر، للإجابة عن هذا السؤال، فإنه سيبقى سؤالاً مفتوحاً، وستظل تلك المحاولات مجرد أفكار حوله (وليست إجابات عليه) تدفع الى المزيد من التساؤل. 

كثيراً ما دفعتني هذه الاعتبارات الفلسفية إلى البحث عن مقاربات الشر في الفضاء الديني الإسلامي، وفي القرآن الكريم تحديداً. وبرغم ورود الكلمة في أكثر من موضع في القرآن، فإني وجدت التأويل الأعمق للشر في قصة موسى مع الرجل الصالح في "سورة الكهف"، وأستخدمُ لفظة التأويل هنا من دون التفسير لأن نص القصة لم يذكر الشر إطلاقاً، وربما في ذلك دلالة على أن الشر لا يوجد بذاته.

تتلخص هذه القصة القرآنية في فشل موسى عليه السلام في التعلّم من رجل صالح خصّه الله برحمة من عنده وبعلم يفوق علم الأنبياء، لأنه لم يستطع التقيّد بشرط الصّبر والامتناع عن السؤال بسبب الطبيعة البشرية التي فطرها الله على الفضول وحب المعرفة. وهي تبين، بما فيها من تكثيف وإيجاز، معالجة درامية لموضوع الشر والخير، أن حكم الشّر إنما يصدر عن الإنسان بسبب نقص علمه. وفهم الإنسان للشر مرتبط بمدى معرفته، إذ يتعلق الشر بما هو نسبي لمعرفتنا، وفي حدود طاقتنا وقدراتنا، وبالمقدار الذي نراه نحن من الضرر الذي يلحق بنا أو بمن حولنا.

ليس ثمة شر مطلق إذاً، وليس هناك شر بحد ذاته، فهو ليس وجوداً بل نقص في الوجود. ولو كان الشر موجوداً بذاته لما اختلف حوله المتضرر منه وغير المتضرر، أو ربما المستفيد من الموقف الذي تسبب بالضرر للآخر. والحرب مثال واضح على ذلك، هي شر لدعاة السّلم ورافضي العنف، ولكن قد يعتقد الطرفان المتحاربان، أو أحدهما على الأقل، حين يقبلان عليها أنها خير، هكذا يراها المنتصر فيما يعتبرها المهزوم شراً. ولكن الحرب هي هي ذاتها لم تتغير، حكم عليها الأطراف الثلاثة كل من جهته وعلاقته، وقد تكون أحكامهم جميعاً مخالفة تماماً لما هي عليه مشيئة الله وإرادته.
 
لذلك، يخاطب الله نبيه محمد عليه الصلاة والسلام في سورة الفلق، آمراً إياه أن يستعيذ به ليس مما خلق سبحانه، بل من شر ما خلق، ولا يتحدد الشر في خلق الله إلا بعلاقتنا به وتداعياته علينا. لذلك، قال الله سبحانه "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ"، ذلك أن النسبي والناقص لا يليق بكمال الله وخيريته، وما هو شر في جزء من أمر أو فعل قد يكون خيراً بكليته.

ربما تذكّرنا جدلية المعرفة والخير بما قاله سقراط، والذي اشتهر بين الناس بالصلاح أيضاً، عن أن الإنسان لا يفعل الشر مختاراً، بل لجهله بالخير. ومع أن هذه المقاربة تبقى من دون مستوى المعالجة القرآنية لعلاقة الخير بالمعرفة والشر بعدمها، إلا أن الفيلسوف اليوناني استطاع أن يحدس ولو أولياً بهذه الرابطة بين الاثنين، العلم والخير، أو الجهل والشر. وبرغم محاولة سقراط هذه، وبرغم قصة موسى والرجل الصالح أيضاً، سيبقى فهم الشر مستعصياً على قدرة الإنسان ومعرفته. لذلك ترانا نفقد صبرنا على ما لا نرى فيه خيراً لنا.

أياً كان أمر سقراط، وغيره من الفلاسفة الذين أشبعوا أسئلة الخير والشر والمعرفة والجهل المعقدة هذه، تمحيصاً وتشريحاً، ماذا نفعل نحن البشر حيالها، وكيف نتعامل معها في حياتنا وعلاقاتنا ضمن العائلة والمجتمع؟ قد يقول قائل، علينا ألّا نصدّق كل ما يُقال عن شخص أو توجّه أو بلد، لجهة توصيفه بالشر أو بالخير. وربما يمضي آخر إلى أبعد من ذلك مؤكداً الحذر من توصيفات من هذا النوع، والحرص على عدم استعمالها. وأراهن على أن ثالثاً سيلفت إلى وجوب عدم التعامل مع "الشر" و"الخير" و"المعرفة" و"الجهل"، وكأن كلاً منها حالة منتهية؛ فالشرير قد يصبح خيّراً، والعكس صحيح، كما أن لا شيء يمنع العارف من أن يغدو جاهلاً، مثلما يدل تأييد بعض "المفكرين" نظريات المؤامرة، مثلاً، كما يمكن حتماً للجاهل أن يتعلّم. 

ربما كان الثلاثة على حق، ولو بدرجات مختلفة. والأخير، تحديداً، يستحق المزيد من المناقشة التي سنكون على موعد معها في مقال لاحق.
الكلمات الدالة